ثورة 25 يناير..حلم لم يتحقق وآمال وطنية عالقة في أفق الماضي

في مثل هذا اليوم خرج إلى الشوارع ملايين المصريين للمطالبة بالحرية والكرامة والحق في حياة أفضل، بعد أن ساءت معيشة الناس وانسداد الأفق السياسي وكافة قنوات التعبير والمشاركة السياسية.
بعد أكثر من عقد من ثورة يناير، يبدو أن نفس الضغوط الاقتصادية والاجتماعية مستمرة، بل ازدادت حدتها: ارتفاع الأسعار، تدهور الخدمات العامة، انهيار الطبقة الوسطى، وتركز الثروات في يد أقلية ضيقة من رجال الأعمال والمسؤولين المرتبطين بالدولة.
قبل انطلاق الثورة، كان الكثير من النشطاء مترددين في التظاهر، حتى بعد نجاح الثورة التونسية، وكانت التجربة الشخصية للمتظاهرين في يوم 25 يناير تعكس هذا التردد، من البحث عن مناطق تجمع جديدة، ومحاولة تنظيم مظاهرات صغيرة، ثم مفاجأة الجماهير التي سبقت النشطاء في النزول إلى الشارع.
هذا التحرك الجماهيري المبكر أظهر قوة التعبئة الشعبية والتراكم الاجتماعي، حيث لم تعد الثورة حكرًا على النخبة، بل أصبحت فعلًا جماعيًا يعبر عن غضب واسع من سياسات الدولة الاقتصادية والاجتماعية، والتي أضرت بالطبقة الوسطى والفقراء على حد سواء.
قبل 2011؛ اعتمدت الدولة على احتكار العنف، تفكيك المجال العام، وإنتاج الخوف لضبط المواطنين.. أما اليوم، فقد توسع هذا الضبط ليشمل الاقتصاد نفسه؛ من سن قوانين تقيّد العمال وتمنع الإضرابات، إلى رفع الضرائب على محدودي الدخل، بينما تُخفض القيود على أرباح الشركات الكبرى، حتى تقليص الدعم عن المواد الأساسية، مما يزيد من أعباء المعيشة على الفئات الأكثر هشاشة.
بهذه الطريقة، لم تعد السيطرة محصورة في الشارع فقط، بل أصبحت اقتصادية واجتماعية وقانونية، ما يزيد صعوبة الاحتجاجات المنظمة، ويعكس اختلال القوى بين الأغلبية الشعبية والأقلية الغنية المرتبطة بالدولة.
في يناير؛ كان كسر الخوف خطوة محورية؛ من حيث رؤية الناس لبعضهم البعض في الشوارع، وحماية المتظاهرين لبعضهم، ومواجهة الغاز والخرطوش، حتى تحول الخوف من عقبة إلى دافع للمشاركة الجماعية.
العدالة الاجتماعية كانت واحدة من الركائز الأساسية لثورة يناير. اليوم، تدهورت بشكل واضح؛ انحسار الطبقة الوسطى، وارتفاع ثروات أقلية متنفذة، وانهيار التعليم والخدمات الصحية، وتحويلها إلى سلع، مع ارتفاع متزايد للأسعار وغلاء المعيشة، وجعل الطعام والشراب تحديًا يوميًا للعائلات.
هذه التغيرات تعكس اختلالًا بنيويًا في العقد الاجتماعي، حيث تتحول الدولة من خدمة المواطنين إلى إدارة مصالح الأقلية المالكة، تاركة الغالبية في مواجهة أزمة اقتصادية مستمرة.
تجربة يناير توضح أن الثورة تبدأ غالبًا من التراكم الاجتماعي والاقتصادي للفئات المتضررة، بينما كان الفعل الجماعي في يناير نتيجة تفاعل المواطنين مع مشاكلهم اليومية، فإن الواقع الحالي يظهر أن الفجوة الاقتصادية والاجتماعية تتسع، والطبقة الوسطى تتآكل، والعمال والفقراء لا يزالون يعانون من غياب أي رؤية لصالحهم.
التحدي الآن هو كيف يمكن تحويل الغضب الاقتصادي والاجتماعي إلى فعل جماعي منظم، يعيد توزيع القوة الاقتصادية والسياسية لصالح غالبية المواطنين، ويعيد بناء العدالة الاجتماعية التي كانت أحد أهم أسباب الثورة.
ثورة 25 يناير لم تكن مجرد احتجاج سياسي، بل تجربة جماعية أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمواطنين، وبين الفئات الاجتماعية المختلفة، والتجربة أظهرت قدرة الجماهير على تحويل الخوف إلى قوة، والفعل الفردي إلى قوة جماعية.
اليوم؛ الدرس المستمر هو أن أي تحرك اجتماعي أو اقتصادي جديد لن يكون فعالًا بدون معالجة الاختلالات الطبقية، العدالة الاقتصادية، ودعم الطبقة الوسطى والفئات الهشة، بدون ذلك، ستظل مصر أمام مأزق مستمر: “قلة قليلة تحتكر الثروة والسلطة، وغالبية المواطنين يعيشون على هامش الحياة الكريمة، مع استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية”.







