شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب… فؤاد سراج الدين

كل يوم أدخل فيه إلى متحف «وجوه لا تغيب» في جمعية الشرق للثقافة، أُلقي على تمثاله الذي يتصدر المتحف تحية حب واحترام وامتنانًا لما تعلّمته من هذا الرجل العظيم.

وفي كل 25 يناير، يعود السؤال قديمًا وجارحًا: كيف نحتفل بعيدٍ صُنع بضمير رجل، ثم نمضي كأن اسمه لم يكن؟ كيف نرفع الشعارات، وننسى من أعاد للشرطة معناها الوطني، وربطها بالكرامة لا بالخوف، وبالوطن لا بالسلطة؟ في ذكرى عيد الشرطة، لا أجد مدخلًا أصدق من استدعاء دولة الأخلاق، كما جسّدها فؤاد باشا سراج الدين.

لا تُبنى الدول بالقوانين وحدها، ولا تحفظها الهتافات. ما يصنع بقاءها حقًّا هو ضميرٌ يقف في اللحظة الصعبة، ويختار الكرامة حين يكون ثمنها السجن، ويختار الصمت النبيل حين يكون الكلام تجارة. في تاريخ مصر، قلّة من الرجال جسّدوا هذا المعنى كما جسّده فؤاد سراج الدين.

لم يكن سياسيًّا عابرًا في زمنٍ صاخب، ولا موظفًا كبيرًا في دولةٍ مرتبكة، بل كان فكرةً تمشي على قدمين. فكرة ترى السلطة أمانة، وترى الأمن عقدًا أخلاقيًّا بين الدولة والمجتمع، لا عصًا تُرفع فوق الرؤوس.

دخل الحياة العامة مبكرًا، لا بدافع الطموح الشخصي، بل بإحساسٍ داخلي بأن السياسة مسؤولية قبل أن تكون موقعًا. في الوفد رأى بيت الأمة، لا سلّم الترقي. وحين اشتد الصراع، لم يبدّل جلده، ولم يتلوّن بحسب الريح.

عرف معنى الخلاف، لكنه لم يعرف الخيانة. كان قادرًا على الاختلاف دون أن يحرق الجسور، وعلى المواجهة دون أن يُفلس أخلاقيًّا. ظلّ وفيًّا لفكرة الدولة المدنية الدستورية حتى حين صار هذا الوفاء مكلفًا.

حين تولّى وزارة الداخلية، كان ذلك في واحدة من أدق مراحل التاريخ المصري. لم يتعامل مع الوزارة بوصفها غرفة عمليات ضد الخصوم، بل بوصفها ضمانةً للناس. آمن أن الأمن الذي لا تحميه العدالة يتحوّل سريعًا إلى عبء على الوطن.

رفض أن تكون الشرطة أداة قمع، وأصرّ أن تكون درعًا للوطن في مواجهة الاحتلال. لم يُغره توسيع الصلاحيات، ولم يُغوِه منطق «اليد الغليظة». كان يعرف أن القوة التي لا يضبطها القانون ترتدّ على صاحبها.

واجه القصر حين لزم الأمر، وواجه الاحتلال حين وجب، وواجه رفاق الطريق حين انحرفوا. لم يكن صداميًّا بطبعه، لكنه لم يكن مساومًا. يعرف متى يصمت، ومتى يتكلم، ومتى يدفع الثمن كاملًا دون ضجيج.

وحين جاءت لحظة الاعتقال والمصادرة، لم يتعامل معها بوصفها نهاية، بل اختبارًا. خرج من السجن أكثر ثباتًا، وأقل ضغينة. لم يُشهر جراحه، ولم يحوّل ألمه إلى خطاب انتقام. كان يرى أن الدولة التي تُسجن أبناءها ستحتاج يومًا لمن يعفو عنها.

في علاقته بالناس، لم يكن نخبويًّا ولا متعاليًا. كان قريبًا من البسطاء، مفهومًا لديهم بلا ادّعاء. لم يتاجر بالشعبوية، ولم يخف من الشعبية. تركها تأتي إن جاءت، وتذهب إن ذهبت.

ظلّ حضوره ممتدًّا حتى حين غاب عن المواقع. بعض الرجال يُقصَون من المشهد، لكنهم لا يُقصَون من المعنى. يظلّون مرجعًا أخلاقيًّا، يُستدعى حين تختلط البوصلة.

لم يكن فؤاد باشا رجل لحظة، بل رجل مسار. عاش طويلًا، لكنه عاش أوضح. لم تُغره الألقاب، ولم تُغره الصفقات، ولم تُغره لحظة الانتصار السريع. كان يعرف أن ما يبقى ليس ما نأخذه من الدولة، بل ما نتركه فيها.

وهنا أصل إلى ما هو أبعد من السياسة. علاقتي بفؤاد باشا سراج الدين لم تكن علاقة تلميذ بأستاذ عابر، ولا سياسيًّا بزعيم تاريخي، بل علاقة ابنٍ بأبٍ روحي. عشتُ إلى جواره ما يقرب من عقدين من العمر، دخلتُ خلالها مدرسة سياسية وأخلاقية لم أجد لها نظيرًا في كتب السياسة، ولا في قاعات البرلمان، ولا في سنوات الصحافة.

كان أبًا حنونًا قبل أن يكون زعيمًا، ومدرسةً رفيعة المستوى قبل أن يكون رمزًا. تعلّمت منه أن السياسة أخلاق قبل أن تكون حسابات، وأن الكرامة لا تُجزّأ، وأن الخصومة لا تُبرّر الكذب، وأن السلطة اختبار يومي للضمير.

تعلّمت منه أكثر مما تعلّمت من كل سنوات النيابة والبرلمان والصحافة مجتمعة. تعلّمت كيف يقول الرجل «لا» دون أن يصرخ، وكيف يدفع الثمن دون أن يتسوّل التعاطف، وكيف يترك أثره دون أن يطالب باعتراف.

كان يؤمن أن الدولة التي تُدار بلا أخلاق، تُدار ضد نفسها. وأن الحرية لا تُختزل في الشعارات، بل تُقاس بكيفية استخدام السلطة لأدواتها، وفي مقدمتها الشرطة.

في 25 يناير، ذكرى عيد الشرطة، تتجدّد المفارقة المؤلمة. عيدٌ صنعه فؤاد سراج الدين بضميره، حين أعاد للشرطة معناها الوطني، ثم مرّت السنوات وكأن اسمه لم يكن.

في هذا اليوم تحديدًا، لا أجد تحية أصدق من أن تُوجَّه إلى الرجل الذي ربط الشرطة والوطن برباط الشرف. ورفض أن تكون الأولى عصًا في يد السلطة، وأصرّ أن تكون حارسًا للناس في مواجهة الاحتلال.

تجاهلت الاحتفالات اسمه، وتجاوزت سيرته، وكأن الذاكرة الرسمية قررت أن تفصل العيد عن صانعه. لكن التاريخ لا ينسى، وإن صمتت المنصّات.

تحية للرجل في عيدٍ صنعه بضميره، ولم يُكرَّم فيه كما يليق بمن جعل الشرطة يومًا عنوانًا للكرامة لا للخوف.

تحية لمن علّمنا أن تقبيل الأيادي ليس دليل الإخلاص. وأن الانحناء لا يصنع وطنًا، وأن الرأس المرفوع — حتى وهو يتعثّر — أصدق من ألف انحناءة متقنة.

وجوه لا تغيب…
لأن الدولة، حين تفقد أخلاقها، تبحث طويلًا عمّن يُعيدها.
وحين تجده، يكون قد دفع الثمن مسبقًا.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى