مقالات وآراء

د.محمد عماد صابر يكتب: تصريح السيسي عن الميليشيات.. إعادة تموضع تكتيكي أم رسالة ضيق من الحليف؟

“تصريح غير عابر في توقيت حساس”


لم يكن حديث رئيس النظام المصري عن رفض دعم “الميليشيات والجيوش الموازية” مجرد تعبير إنشائي أو موقف أخلاقي عام، بل جاء في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتشابك فيها أزمات اليمن والسودان وليبيا، وتتزايد فيها التناقضات داخل معسكر الحلفاء أنفسهم. اختيار الصيغة العامة دون تسمية، والتأكيد على مفهوم “الدولة الوطنية” و”الجيوش النظامية”، يشي بأن التصريح موجّه بعناية، ويحمل رسائل متعددة الاتجاهات، لا يمكن عزلها عن التحولات الجارية في الإقليم.

الدلالة السياسية للتصريح


من حيث المضمون، ينطبق توصيف “دعم الميليشيات والجيوش الموازية” على سياسات إقليمية معروفة، وفي مقدمتها السياسات الإماراتية في أكثر من ساحة عربية. غير أن امتناع السيسي عن التسمية لا يعكس غموضًا في الرؤية، بل يعكس حسابًا سياسيًا دقيقًا، هدفه توجيه النقد دون كسر التحالف، وإبداء الاعتراض دون الدخول في مواجهة مباشرة.
التصريح هنا ليس اتهامًا قانونيًا ولا إعلان خصومة، بل إشارة ضيق محسوبة، ورسالة مفادها أن كلفة مشاريع التفكيك والميليشيات لم تعد محتملة، وأن نتائجها باتت عبئًا على الدول المركزية، ومنها مصر نفسها.

“العلاقة مع الإمارات”


حدود الخلاف وسقف الرسائل، لا يمكن الحديث عن تحول استراتيجي جذري في موقف القاهرة من أبوظبي. فالعلاقة بين الطرفين ما زالت قائمة على تشابك مالي واقتصادي وسياسي عميق، يجعل أي قطيعة خيارًا مستبعدًا. لكن في المقابل، لم تعد القاهرة في موقع التماهي الكامل مع السياسات الإماراتية، خصوصًا بعد أن أفرزت هذه السياسات فوضى إقليمية مزمنة، أضعفت مفهوم الدولة، وهددت الأمن القومي العربي، بما فيه الأمن المصري.


ما نشهده هو إعادة ضبط إيقاع لا أكثر: خفض مستوى الانخراط، رفع منسوب التحفّظ، وإرسال إشارات بأن مصر ليست شريكًا في كل ما يُدار باسم “مواجهة الإسلام السياسي” أو “مكافحة الفوضى”، بينما الواقع يشي بعكس ذلك.

“مغازلة السعودية”


تقاطع مصالح أم اصطفاف جديد؟، يحمل التصريح أيضًا بعدًا سعوديًا واضحًا، خاصة في ظل التباينات المتزايدة بين الرياض وأبوظبي في ملفات إقليمية حساسة، وعلى رأسها اليمن. تأكيد السيسي على رفض الميليشيات يتقاطع مع الخطاب السعودي الرسمي الذي يقدّم نفسه كمدافع عن الدولة اليمنية ووحدتها، في مقابل مشاريع تفكيك موازية.


غير أن هذه المغازلة لا ترقى إلى مستوى الاصطفاف الكامل. فالقاهرة لا تنتقل من محور إلى آخر، بل تحاول تحسين موقعها داخل شبكة التحالفات، واستثمار التناقضات الخليجية لإعادة تقديم نفسها كشريك “متزن” لا “تابع”.

“اليمن كمؤشر”


التعاون الاستخباراتي ومعنى الرسالة، ما تسرّب عن تعاون استخباراتي مصري– سعودي في الملف اليمني، بعيدًا عن الترتيبات الإماراتية، يُعد مؤشرًا مهمًا على هذا التمايز. لكنه يظل في إطار تقاسم الأدوار لا تغيير التحالفات. القاهرة تسعى إلى القول إنها تقف مع “الدولة” لا مع الكيانات الموازية، حتى وإن كانت قد صمتت طويلًا عن هذه الكيانات حين كانت جزءًا من معسكرها السياسي.

“البعد الداخلي للتصريح.. طمأنة أم تبرير؟”
لا يخلو الخطاب من رسالة داخلية موجهة للرأي العام المصري، مفادها أن النظام يقف ضد الفوضى والتقسيم، وأنه متمسك بفكرة الدولة الوطنية. هذا الخطاب يهدف إلى: تبرير السياسات السابقة بوصفها “حماية للدولة”
وتحصين النظام من أي اتهام مستقبلي بالمشاركة في مشاريع تفكيك إقليمية
وهو خطاب يعكس حاجة النظام إلى إعادة إنتاج شرعية رمزية في ظل أزمات اقتصادية خانقة وضغوط اجتماعية متصاعدة.

“تقدير الموقف.. ما الذي تغيّر فعليًا؟”


التحليل الراجح يشير إلى أن:


لم يحدث تحول استراتيجي في تحالفات مصر
لكن حدث تحول في اللغة والسقف. وبرزت محاولة لاستعادة هامش استقلال شكلي في القرار الإقليمي.
القاهرة لا تزال داخل معسكرها التقليدي، لكنها لم تعد قادرة على تحمّل كلفة الصمت المطلق، ولا راغبة في الغرق الكامل في مشاريع ثبت فشلها.

“الخلاصة النهائية”


تصريح السيسي عن الميليشيات ليس إعلان قطيعة مع الإمارات، ولا انقلابًا في التحالفات الإقليمية، بل هو رسالة ضيق محسوبة، ومحاولة متأخرة لتبرئة الذات من نتائج سياسات شاركت فيها مصر بالصمت أو التواطؤ.
إنه تعبير عن مأزق، لا عن شجاعة تحول؛ وعن إعادة تموضع تكتيكي، لا عن مراجعة استراتيجية حقيقية.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى