شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب … يحيى غانم

حين يسبق الإنسان المهنة… وتسبق الأخلاق العنوان

لا تُقاس الصحافة بالمناصب، ولا تُختزل في عدد الصفحات أو ساعات البث. الصحافة، في معناها الأعمق، اختبار أخلاقي طويل النفس؛ إما أن تنجو فيه الحقيقة، أو يغرق صاحبها في ضجيج اللحظة. في زمنٍ صارت فيه العناوين أسرع من الفهم، والضوء أسبق من المعنى، يبرز اسم يحيى غانم بوصفه وجهًا لا يغيب، لأنه اختار أن يكون شاهدًا لا شاهد زور، وأن يجعل من الإنسان بوصلته الأولى.

في هذه اللحظة بالذات، حين نبحث عن معنى المهنة بعيدًا عن الاستعراض، نفهم لماذا ظلّ يحيى غانم حاضرًا حتى وهو بعيد. لم يطلب الضوء، ولم يتوسّل المنصّة، بل ترك للحقيقة أن تُعرّف به. جعل من السؤال فعلًا أخلاقيًا، ومن الميدان مدرسة، ومن الصمت المدروس شجاعة لا عجزًا.

عرفته منذ 1987، حين جمعنا العمل في الوفد؛ صحيفة كانت بيتًا للفكرة قبل أن تكون مطبعة للحروف. يومها، لم يكن يحيى يبحث عن توقيعٍ لافت، ولا عن صورةٍ في الصفحة الأولى، بل عن قصةٍ مكتملة، وعن زاويةٍ لا تراها العين المتعجلة. كان حضوره هادئًا، لكن أثره ثابت، كمن يعرف أن المصداقية تُبنى ببطء، ولا تُشترى بالعجلة.

ثم اتّسع المدار، ولم تقلّ خبرته عن اتّساع المكان؛ انتقل إلى الأهرام، حيث انفتح أمامه العالم بكل قسوته وتعقيده. هناك اشتغل مراسلاً حربيًا وسياسيًا في ساحاتٍ متعدّدة: من البوسنة وكرواتيا إلى أفغانستان، مرورًا بمناطق نزاع أخرى في آسيا وأفريقيا. لم تكن تقاريره سجلات اشتباكٍ فحسب، بل شهادات إنسانية تُقرأ في العيون قبل الكلمات.

في ميادين النار، حيث يتحوّل العالم إلى خط تماس مفتوح، كان يحيى غانم يكتب عن التفاصيل التي تُهمَل عادةً: وجع الأسر، صمت الأطفال بين أصوات المدافع، والذاكرة الإنسانية التي لا تمحوها الخرائط. هذه ليست صحافة سريعة ولا موجزة، بل صحافة تعرف أن الخبر الذي لا يرى الإنسان يُصاب بالعمى.

لم يكن يسأل: من انتصر؟ بقدر ما كان يسأل: من دُفع ثمنًا؟ لذلك جاءت كتاباته باردة الأعصاب، ساخنة المعنى، بعيدة عن الإثارة، قريبة من الحقيقة. في جنوب أفريقيا تحديدًا، عاش التحوّلات الكبرى عن قرب؛ تعلّم كيف تُدار الدول الخارجة من الجراح، وكيف تتعايش الذاكرة مع السياسة، وكيف تُبنى المصالحة دون دفن الحقيقة.

هذا المسار المهني لم يمرّ دون اعتراف. نال جائزة “رجل العام” من نقابة الأطباء المصريين عام 1995 تقديرًا لتغطيته الإنسانية للحرب في البوسنة، حيث انتصر للإنسان قبل الحدث. كما نال جائزة أفضل مراسل استقصائي أجنبي عام 2002 عن تغطيته المعمّقة للحرب في الكونغو الديمقراطية؛ جوائز لم تكن أوسمة بقدر ما كانت شهادات ثقة في وضوح الرؤية وعمق الفهم.

وبعد ثورة يناير، تولّى رئاسة مجلس إدارة دار الهلال؛ تلك المؤسسة العريقة التي تأسست في مطلع القرن العشرين، وشكّلت وجدان الثقافة والصحافة المصرية عبر مطبوعاتها المتعددة. دخلها لا بوصفه إداريًا باردًا، بل حارسًا للهوية الصحفية، مدركًا أن تجديد المؤسسة لا يكون بقطع الجذور، بل بإحياء المعنى الذي قامت عليه.

وفي أبريل 2013، حين طُرحت عليّ فكرة تشكيل حكومة ائتلافية متعددة الاتجاهات، وطلب مني محمد مرسي التفكير في أسماء قادرة على إدارة ملفات معقّدة، كان اقتراحي ليحيى غانم وزيرًا للشؤون الأفريقية اقتراح كفاءة لا صداقة. أفريقيا ليست ملفًا هامشيًا لمصر، بل عمقها الاستراتيجي الذي نعرف عنه —للأسف— أقل مما ينبغي.

رشّحته لأنني أعرف أنه من القلّة التي تفهم أفريقيا كما هي: قارة مليئة بنقاط قوة غير مستثمرة، ونقاط ضعف لا تُدار بالشعارات، وشبكات مصالح لا يفكّ شفراتها إلا من عاشها ميدانًا وربطها بالتاريخ والاقتصاد السياسي للصراع. يعرف أن أفريقيا لا تُدار بالخرائط وحدها، بل بمعرفة البشر والذاكرة والموارد وموازين القوى.

لم تمضِ الأمور في هذا الاتجاه. تعرّض يحيى غانم لقضية ملفّقة على صلة بملف “التمويل الأجنبي”، وهي تهمة طالما استُخدمت لإرهاق المهنيين المستقلين. غادر بعدها مصر، لا فرارًا من الحقيقة، بل حفاظًا على كرامة المهنة وعلى حياة صحفية لا تُختزل في محاضر الاتهام.

في سنواته الأخيرة، يعمل في الجزيرة، حيث قدّم واحدًا من أنضج أنماط الصحافة الدولية العربية. حواراته وانفراداته مع قادة أمريكيين وأفارقة لم تكن سباقًا على العنوان، بل تفكيكًا هادئًا للسياسات، وربطًا ذكيًا بين القرار وتأثيره على الشعوب. أسئلة تعرف ماذا تريد، ومسافة تحترم الضيف دون أن تتنازل عن الحقيقة.

ومع كل هذا المسار، يبقى الإنسان الذي أعرفه: لطيف، متواضع، رقيق الطبع، شديد الاحترام، عفيف السيرة. عزوبته اختيارٌ لا نقص، وهدوؤه ثقة لا برود. لا يعرف قيمته الحقيقية إلا من خبروا الميدان، وميّزوا بين الشجاعة والتهوّر، وبين الظهور والحضور.

لم يكن من صُنّاع الضجيج، ولا من أسرى “الترند”. كان يرى أن الخبر إن لم يُضف معرفة لا يستحق النشر، وأن السؤال إن لم يكن أخلاقيًا صار فخًا. لذلك بقي اسمه حاضرًا في دوائر الاحتراف، حتى إن غاب عن العناوين.

في زمنٍ صار فيه كثيرون أسرى الاستقطاب، حافظ على استقلاله المهني. لم يُخاصم السلطة ليُصفّق له جمهور، ولم يُهادنها ليضمن سلامة الطريق. اختار المسافة الأصعب: أن تبقى محترمًا أمام نفسك قبل الآخرين.

وجوه لا تغيب…
لأن بعض الرجال لم يمرّوا في المهنة مرور العابرين،
بل تركوا فيها أثر أقدامهم،
ثم مضوا دون أن يلتفتوا خلفهم.

ولأن بعض الصحفيين لم يكتبوا عن العالم من وراء الزجاج،
بل لمسوه بأيديهم،
واحتملوا برد الحروب وحرّ الأسئلة،
وعادوا بالكلمة نظيفة
كما خرجوا بها من ضمائرهم.

ولأن الإنسان، حين يسبق المهنة،
وحين تتقدّم الأخلاق على العنوان،
لا يحتاج إلى منصّةٍ تُعرّفه،
ولا إلى ضوءٍ يُنقذه من النسيان.

يبقى أثره حيًّا في الذاكرة،
وتبقى شهادته قائمة،
حتى لو غاب عن المشهد،
فإن الحقيقة التي عاش لها
تظلّ تمشي وحدها…
ولا تغيب.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى