مقالات وآراء

د. ناجي عبد الرحيم يكتب : استراتيجية اليوم التالي للانقلاب … خمسة عشر عاماً ثورة 

استهلال.. بمصائر الدكتاتوريات

ليس في التاريخ دكتاتوريةٌ خالدة، ولا في الجغرافيا استبدادٌ أبدي، وإن طال الزمن وتشابكت الأدوات وتبدّلت الوجوه؛ فالدكتاتوريات — على اختلاف لغاتها وأعلامها وأزيائها — تشترك في بنية واحدة؛ سلطةٌ تنفصل عن المجتمع، واقتصادٌ يُدار بلا إنتاج حقيقي، وخوفٌ يُقدَّم بديلاً عن الثقة، وأمنٌ يُستخدم ليحكم ويهيمن ، لا ليحمي ويؤمّن، فحين تتشابه البنى، تتشابه النهايات، وإن اختلف التوقيت والمسار.

التاريخ، حين يُقرأ قراءةً هادئة لا انفعالية، يعلّمنا أن سقوط الدكتاتوريات لا يكون لحظة واحدة، بل عملية ممتدة؛ تبدأ بانفصال المعنى، ثم بتآكل الكفاءة، ثم بعجز الاقتصاد عن إخفاء الخلل السياسي، ثم بانكشاف الخوف بوصفه أضعف أسس الحكم؛ هكذا سقطت نظمٌ في أميركا اللاتينية، وهكذا تهاوت أنظمة في شرق أوروبا، وهكذا انتهت سلطويات ظنّت أن القبضة الأمنية قادرة على تعطيل قوانين الاجتماع والاقتصاد.

استدلال …انهيار ما قبل السقوط 

الدكتاتورية لا تسقط حين يخرج الناس إلى الشوارع فقط، بل تسقط — قبل ذلك — حين تفقد قدرتها على تفسير الواقع، وحين تعجز عن إقناع الناس بأن ما يعيشونه ضرورة لا نتيجة؛ وحين يصبح الاقتصاد، لا السياسة، هو الشاهد الأكبر على الفشل، تبدأ لحظة ما بعد الانقلاب في التشكل، حتى قبل أن تُعلن.

من هنا، فإن السؤال عن استراتيجية اليوم التالي للانقلاب يفرض نفسه، ويفسر ماذا بعده؟

ذلك لأن أخطر ما واجهته الشعوب بعد سقوط الدكتاتوريات في التاريخ، ليس فراغ السلطة، بل فراغ الرؤية؛ فراغ القدرة والقدوة ، فكم من الثورات من انتصرت على الطغيان، ثم خسرت الدولة، لأنها لم تُحسن التخطيط لاستراتيجية اليوم التالي للانقلاب العسكري الاستبدادي ،تلك اللحظة التي لا تقل خطورة عن الانقلاب نفسه ؛ إذا لم تكن على وعي كاف ومتعاف ، علمي وعملي ، يدرك كيف تصرف وسيتصرف الانقلابيون؟ وكيف تتفاعل الدولة العميقة والتكتلات المعيقة وأصحاب المصالح ، وفاقدي المسئولية المجتمعية ، ومن هم على هامش المجتمع ؟وما الذي يحدث لمؤسسات الحكم، والدولة ، فتكون الإجابة بعد تحليل عميق ودراسة متأنية ، قوامها ليس وصف الانقلاب، بل فهم كيف تُدار السلطة وأركان الدولة بعده.

استدراك … ما قبل الانقلاب

للإجابة على التساؤلات ، ودراسة الإمكانيات ، والمقومات فالمعوقات ، يلزمنا بدراسة تاريخ ووعي ، للتثبت من أن السيطرة على الدولة بانقلاب عسكري لا يكتمل بمجرد السيطرة على القصر الرئاسي أو إعلان بيان يعطل أحكام الدستور، بل هو سيطرة على الجيش والأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية والشرطية ، ثم تأمين المقرات والمؤسسات المدنية الرسمية ، منها السلطة الثانية والثالثة والرابعة كما يطلق عليها ، ثمفرض الطاعة داخل المؤسسة العسكرية تحديداً ، ومنع أي إشارات أو علامات لانقسام أو تمرد داخلية، لضمان منع الانقلاب على الانقلاب ، وهو أخطر من يسقط البلاد، في مستنقع الاستبداد والتبعية .

ثم يكون التالي هو التحكم في الرواية والإعلام؛ فالانقلابيون يدركون أن الشرعية المصطنعة تصنع اللاوعي العام الذي يهدف للمشاركة في السيطرة على البث الإذاعي والتلفزيوني الرسمي ، وإغلاق وتقييد الإعلام المستقل ، وتحييد الإعلام التابع لتكون له روايته الخاصة ، حيث يصبح الوعي العام ، عالقاً بين رواية انقلاب ، ورواية المستفيدين من كل نظام، وينطلق البث الرسمي بخطاب يبرر الانقلاب (محاربة الفساد، إنقاذ الدولة، منع الفوضى، سيكون الشعب باختيار إما الإخفاء أو الاعتقال ، أو الملاحقة أو التشريد أو التهجير ، أو الموت على سلسال مدرعة أو مجنزرة أو مسلسلة…)، وتعلو أصوات الصناعة ، صناعة المنقذ – تُسمّى في بعض الأدبيات “هندسة صناعة القبول الشعبي”.

استهداف .. تفكيك الشرعية 

ينتقل الانقلاب إلى مرحلة تفكيك الشرعية ، حيث يستهدف الشعب الممثل في حل البرلمان، ويسقط رأس التشريع بحل مجلس الشورى، ثم ينتقل إلى النيل من القانون والدستور بالتعليق أو التعطيل الكلي والجزئي ، فإقالة الحكومة ، ثم اعتقالها ، وملاحقة القيادات السياسية ونفي القيادات المجتمعية ، ثم تجريم الأحزاب والحركات المعارضة ، وكل ما من شأنه قطع الطريق على أي عودة للنظام السابق ، أو تقدم نظام يصلح لقيادة وإصلاح البلاد دون المشاركة في منظومة المفاسد والفساد. 

ويعكف الانقلابيون على إعادة تشكيل مؤسسات الدولة، بعد السيطرة عليها ، بتعيين الموالين في مؤسسات العدل والقضاء، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، فتغيير وتبديل وتعديل في القيادات الإدارية، ثم صياغة قوانين تمنحهم سلطات واسعة، تضمن تُحوّل الانقلاب من “حدث” إلى “نظام”.

ثم يعيث في المجتمع فساداً عبر مزيج من الترغيب والترهيب، والقمع المباشر (اعتقالات، محاكمات، تضييق)، فشراء الولاءات (رواتب، امتيازات، صناديق اقتصادية خارج المنظومة المالية المؤسسية)، فتشكيل لشبكات مصالح مرتبطة بالسلطة والحاكم، فيتحول المجتمع إلى بيئة خاضعة أو صامتة، لتقبل بشرعية الأمر الواقع في الداخل بالمصالح ، والخارج بالبحث عن الاعتراف، وتقديم التنازلات للحصول على الدعم الإقليمي ، والقبول الدولي ، وخطاب طمأنة خاص للقوى الكبرى الفاعلة في المجتمع الدولي ، المرتبطة بمنظومة مصالح ، تتصالح فيها مع من يقدم المزيد عن ما تطلب أو تزيد بالتنازل على معبر أو ممر أو ميناء بري أو بحري أو جوي ، ليكون لهم حق المرور والعبور وإقامة المناطق العسكرية. 

استنتاج … ما قبل السقوط

وعليه ، تكون صياغة المسار السياسي الشكلي نتاج تثبيت سلطة منقلبة على شعب ودولة ، فيبدأ النظام الانقلابي في إنتاج واجهة سياسية ومعارضة مصنوعة ، في انتخابات مُدارة بأحزاب موالية ، ودستور جديد ، يجدد العهد ويضمن الولاءات أبد الدهر ، ويزرع في التاريخ أمة الانقلاب واحدة ذات قيادات خالدة ، ومؤسسات كلية لإظهار “مسرحية التحول الديمقراطي اصطلاح” التسليم والتسلم والاستسلام مضمونا ومحتوى، لتطبيع الانقلاب.

ففي خضم الاستبداد ، وتفشي الفاشية في البلاد، تظهر استراتيجية اليوم التالي للانقلاب العسكري الاستبدادي، لتعلن أن الأيام دول ،والقرار للشعوب ، استراتيجية قوامها استعادة السيادة للمواطن ، والشرعية للقانون الحق ، وإعادة هيكلة المؤسسات المدنية ، واحتواء المؤسسات العسكرية ، انطلاقا من وعي أن الانقلاب ليس لحظة، بل عملية طويلة لتحويل القوة العسكرية إلى نظام سياسي مستقر (أو مستبد) يملك أدوات السيطرة على الدولة والمجتمع.

ليبدأ عصر الإنسانية الواسعة، حين يُسقط الشعب المستبد، فيكتشف أن المشكلة لم تكن في هذا الوجه الانقلابي ، أو ذلك الشخص المنقلب ،بل في “قابلية الاستبداد” الكامنة في البنية، في الثقافة السياسية، في الاقتصاد الريعي، وفي مؤسسات صُممت لتُطيع لا لتخدم. وهنا يظهر الفارق بين ثورة تُسقط حاكمًا، وثورة تُعيد تأسيس دولة.

استقراء … ما بعد الانقلاب 

عصر الإنسانية ، عصر الوعي بأن ما بعد الانقلاب، ليست هي المرحلة الانتقالية بالمعنى الزمني الضيق، بل هي لحظة إعادة تعريف شاملةللدولة ، والسلطة، والاقتصاد ، والأمن ، والأمان ، وموقع الإنسان ؟

فالدكتاتوريات تحكم بمنطق “السيطرة”، أما الدول الديمقراطية الرشيدة فتُدار بمنطق “العقد”، العقد الاجتماعي ليس نصًا دستوريًا فقط، بل شبكة ثقة متبادلة تلتزم فيها الدولة بالقانون، والمجتمع يلتزم فيها بالمشاركة، والاقتصاد يُدار بالإنتاج لا بالامتياز، والسلطة تُحاسَب ،والسيادة للمواطن، لذا فغياب هذا العقد، لا تنفعه كثرة القوانين ولا صرامة الأجهزة الأمنية أو الرقابية أو الشرطية أو العسكرية ، سمها ما شئت فكلها يسقط أمام نضال شعب.

في كل تجارب ما بعد الاستبداد الناجحة، كان الاقتصاد هو نقطة التحول الحاسمة، ذلك للرباط الوثيق بين الاقتصاد والسياسة، فالاقتصاد القائم على الريع، والديون، وتسييل الأصول، لا يمكن أن ينتج دولة رشيدة وعادلة، والاقتصاد القائم على الإنتاج، والمعرفة، والعدالة التنافسية، لا يمكن أن يعيش طويلًا تحت حكم استبدادي، فلهذا، دائما ما يبدأ الانتقال الحقيقي بترتيب العلاقة بين السياسة والاقتصاد؛ فالسياسة تضع القواعد، والاقتصاد يعمل داخلها، لتفكيك منطق الحكم نفسة ، دون استبدال للنخبة ، ولا الانتقال من دولة تدار بالخوف ، إلى دولة تدار بالثقة والقانون ، وسلطة ترى في المجتمع شريكاً لا تهديدا، وفي الأمن حماية لا مراقبة، والإفراج عن العقول والكفاءات من المعتقلات ضرورة ، وتمكين العلماء والخبرات والشباب عقيدة. 

ليس الانتقال من الانقلاب إلى الدولة فعلاً آلياً ولا مساراً ممهداً؛ فالمحنة الكبرى التي تعصف بالمجتمعات الخارجة من قبضة العسكر ليست في إسقاط المستبد، بل في استعجال الإجابة عن سؤال لم ينضج بعد: كيف تُبنى الدولة بعد أن ينهار النظام؛ كثيرون يخلطون بين هدم البنية القديمة وتشييد البنية الجديدة، كأن الثورة بذاتها قادرة على أن تُنبت مؤسسات، والشعب يقتصر دوره على الهتاف أو إسقاط التماثيل، أو النيل من مخلفات النظام البائت ، فالوعي المجتمعي للدولة الرشيدة يبدأ من وضوع المفاهيم؛ لا تستولد من صراخ الشوارع والميادين ، ولا تُدار باندفاع العاطفة كالعاصفة، بل بصرامة القواعد؛ واحكام العقل ، وتجديد العقد ، واتحاد بين الداخل والخارج ، وتآلف وتكاتف وتحالف ، من أصحاب القيم والهمم، واستراتيجية خاصة لما بعد الانقلاب —يقينا مرتكزاته ثلاث : 

أولًا: وعيٌ تاريخي لا انتقامي ولا انتقائي

الوعي هنا ليس استدعاءً للمظلومية فقط، بل فهمٌ عميق لمسار الفشل، حتى لا يُعاد إنتاجه؛ فالمجتمعات التي خرجت من الاستبداد دون قراءة نقدية، ودراسة تحليلية تفصيلية لتجربتها، عادت إليه بأسماء جديدة، أما التي واجهت أخطاءها بجرأة، وانطلقت بقيمها، فقد قطعت نصف الطريق نحو الاستقرار.

ثانيًا: عقد اقتصادي جديد

لا ديمقراطية بلا عدالة اجتماعية، ولا عدالة بلا اقتصاد منتج؛ فاليوم التالي للانقلاب يجب أن يبدأ بإعادة توجيه الاقتصاد نحو العمل، والمعرفة، والقيمة المضافة، وكسر الحلقة الجهنمية: ديون لسداد ديون، وأصول تُباع لسد فجوات، ومشروعات تُدار للعرض لا للتشغيل؛ فالاقتصاد هنا ليس ملفًا فنيًا، بل ركيزة سياسية للاستقرار المجتمعي.

ثالثًا: دولة القانون لا دولة الغلبة

أخطر ما تورثه الانقلابات ليس الدبابة في الشارع، والجندي في الميدان المدني ، والقيادات في أسواق المنتجات الزراعية ومحال السوبرماركت والكراجات، بل الشرخ العميق الذي تُحدثه في ضمير القانون؛ فحين تُدار الدولة بمنطق الغلبة، يتحول القانون من ميزان للعدل إلى شبكة تُفتَّش عن ثغراتها، ويغدو “المحترف” هو من يُتقن تحرير المجرم وتقييد الشريف، لا من يحقق العدالة ويحمي الدولة؛ ومع الزمن، يتآكل اليقين القانوني، ويهتزّ الإيمان بأن الدولة تحكمها قواعد لا أهواء، فينهار معها أساس الثقة، ويتراجع الاستثمار، ويتبدد الشعور بالأمان.

وعندما يفقد المجتمع ثقته في القانون، تتحول السياسة إلى ساحة صراع دائم، لا إلى مجال إدارة رشيدة؛ ويصبح “اليوم التالي” للانقلاب معطوباً قبل أن يبدأ، لأن أي مشروع للانتقال لا يمكن أن ينهض فوق أرض رخوة؛ فلا نهضة بلا قضاء مستقل، ولا استقرار بلا قواعد واضحة، ولا دولة تُبنى على مؤسسات تُستثنى من المحاسبة بدل أن تخضع لها.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن الديمقراطية الرشيدة حديثًا عن الكفاءة بقدر ما هو حديث عن الحرية؛ والديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل منظومة تضمن تداول السلطة، وتكافؤ الفرص، وشفافية القرار، وحق المجتمع في المعرفة، وسيادة المواطن ، وهي، قبل ذلك وبعده، نظام يمنع تراكم الخطأ حتى لا نحتاج إلى ثورة كل عقد.

استشراف .امتحان الدولة

إن التجربة الإنسانية تؤكد أن الاستبداد قد يفرض الصمت، لكنه لا ينتج المعنى ، وقد يراكم القوة، لكنه يستهلك المجتمع، وقد يؤجل الانفجار، لكنه لا يمنع السقوط، فالمجتمعات التي تعلّمت من تاريخها، هي التي حوّلت الثورة من لحظة غضب إلى مسار بناء، ومن شعار إلى سياسة، ومن صراع على السلطة إلى شراكة في الدولة.

ولهذا، فإن سؤال ما بعد الانقلاب هو في جوهره سؤال أخلاقي وفكري قبل أن يكون سياسي:

هل نريد دولة تُدار بمنطق الغلبة؟ أم دولة تُدار بمنطق الخدمة؟

هل نبحث عن انتصار سريع؟ أم عن استقرار عادل طويل الأمد؟

من الأولى بالرعاية الإنسان أم البنيان ؟

إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ترسم الملامح الإستراتيجية لليوم التالي؛ فإما انتقال غير منضبط يستبدل الاستبداد بالفوضى، أو مسار واعٍ ينقل المجتمع من القهر إلى بناء الدولة، والفارق بين المسارين لا تحسمه الشعارات، ولا تصنعه الاجتماعات العابرة، ولا تختزله معاناة المظلومين في السجون والمعتقلات، ولا صخب النخب على الشاشات، بل يصوغه وعي عميق بحاجات المجتمع الحقيقية، وقدرة على تنظيم الطاقات الوطنية في الداخل والخارج، واستعداد لتحمل كلفة التعلم من التجربة التاريخية، والعمل المنهجي في التوثيق والتأريخ بوصفهما شرطين للفهم لا ترفاً فكرياً.

فما من أمة استطاعت الخروج من ليل الاستبداد إلا حين أدركت أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بالوعي، وأن الدولة لا تُرتجل بل تُبنى بالعقل والمؤسسات، وأن مرحلة ما بعد الانقلاب هي في حقيقتها الامتحان الأخطر والأكثر حسماً، لأنها التي تحدد إن كان التغيير سيؤول إلى ولادة نظام جديد، أم إلى إعادة إنتاج الاستبدات بأشكال مختلفة

إن مرحلة ما بعد الانقلاب تفرض على الدولة الخروج من منطق إدارة الصدمة إلى منطق إعادة بناء القدرة الوطنية على الحكم والاستقرار والتنمية؛ فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في إنهاء حالة سياسية استثنائية فحسب، بل في استعادة وظيفة الدولة كإطار منظم للمجتمع، وضامن للمصالح العامة، وقادر على اتخاذ قرارات عقلانية في بيئة داخلية وخارجية معقدة.

في سطور …لإستراتيجية تنظر إلى الانقلاب باعتباره مؤشراً على خلل عميق في منظومة الحكم والاقتصاد والعقد الاجتماعي، لا مجرد انحراف عابر؛ وعليه، فإن المعالجة الناجحة تستوجب إعادة تأسيس قواعد الحكم على أساس الشرعية المؤسسية، والانضباط الدستوري، والكفاءة الإدارية، وربط القرار السياسي بالتحليل الاقتصادي والاجتماعي الدقيق، لا بالاعتبارات الأيديولوجية أو الحسابات قصيرة المدى.

سياسياً، تتمثل الأولوية في بناء نظام حكم قادر على احتواء الاختلاف دون تعطيل الدولة، وعلى إدارة التوازن بين السلطة والمسؤولية، وبين الاستقرار والحرية؛ ويتطلب ذلك مؤسسات قوية لا أشخاصاً أقوياء، وقواعد واضحة لا ترتيبات مؤقتة، وآليات مساءلة تحمي الدولة من نفسها قبل أن تحميها من خصومها.

اقتصادياً، لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي دون استعادة الثقة في الاقتصاد الوطني؛ فالإصلاح الاقتصادي في مرحلة ما بعد الانقلاب ليس خياراً تقنياً، بل قراراً سيادياً يهدف إلى إنهاء اقتصاد الريع والامتيازات، وبناء اقتصاد إنتاجي يخلق فرص العمل، ويعيد الاعتبار لقيمة العمل والكفاءة، ويوجه الموارد نحو التعليم، والبنية التحتية، والقطاعات الإستراتيجية القادرة على تعزيز الاستقلال الاقتصادي للدولة.

اجتماعياً، تفرض المرحلة معالجة آثار الانقسام وفقدان الثقة عبر سياسات واقعية للعدالة، والاندماج، وبناء شعور وطني جامع يقوم على المواطنة لا الاصطفاف. فالدولة التي تفشل في ترميم نسيجها الاجتماعي تظل عرضة للارتداد مهما بلغت قوة مؤسساتها الشكلية.

في كلمات … تشكل المعرفة والتخطيط طويل المدى ركيزة أساسية للقيادة الرشيدة؛ نحو بناء استراتيجي رصين، فالدولة الحديثة لا تُدار بردود الأفعال، بل بالوعي بالرؤية والرسالة والغاية والأهداف، والتحالفات، ولا يتم حمايتها بالشعارات الصيحات وصراخ الحفلاتوالمهرجانات، بل بالبيانات والمعلومات والإحصائيات وأمن وتأمين الحاضر والمستقبل، ولا تُبنى بالقرارات الفردية ولا الفئوية، بل بمنظومات عمل تستند إلى تحرير العقول والعلماء والكفاءات من السجون والمعتقلات وتمكين الخبرات ، مع التقييم والتقويم المستمر المستثمر في إدارة البلاد بما يحقق الضمانة الفعلية لاستدامة أي تحول سياسي أو اقتصادي.

ختاماً نؤكد على أن استراتيجية اليوم التالي لما بعد الانقلاب ، هو امتحان إدارة الدولة ، لا مشروع دولة ولا شبه دولة و لا مشروع سلطة، هو مساراً وطنياً لا تسوية ظرفية، فإما أن تُستثمر هذه اللحظة لإعادة بناء دولة قدوة ، قادرة، عادلة، ومنتجة، أو تتحول إلى حلقة جديدة في دائرة عدم الاستقرار، ومسؤولية القيادة في هكذا لحظات ، لا تكمن في مواجهة ماضي ، ولا في منازلة حاضر ، ولا في إدارة توازنات ، بلفي ترسيخ قواعد دائمة تحمي الدولة، وتخدم المجتمع، وتؤسس لاستقرار يستند إلى العقل، واقتصاد يتقن إدارة الموارد والإنتاج ، وشرعية مستدامة ، وصناعة مستقبل شعب … فالأيام دول ..والقرار للشعوب .

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى