مقالات وآراء

د. ياسر محجوب الحسين يكتب: إفريقيا.. حدود نفوذ واشنطن ومنطق الإقصاء

تعود جذور العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول القارة الإفريقية إلى حقبة الحرب الباردة، حين شكّلت إفريقيا ساحة مركزية للتنافس مع الاتحاد السوفييتي. ومع انتهاء تلك المرحلة، لم تختفِ المقاربة الأمنية من الرؤية الأمريكية، بل أُعيد إنتاجها بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حين جرى إدماج القارة في ما سُمّي بالحرب على الإرهاب. وفي عامي 2025–2026، وتحت إدارة ترامب الثانية، تعزّز هذا المنظور بصورة أكثر وضوحاً، من خلال تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وتوسيع حظر التأشيرات ليشمل 39 دولة، في خطوة تعكس فلسفة “أمريكا أولاً” بوصفها سياسة إقصائية تجاه قارة يُتوقع أن تضم نحو 17% من سكان العالم بحلول عام 2030.

يمثّل قرار توسيع العمل بقاعدة “التأشيرة بضمان مالي” ليشمل عدداً متزايداً من الدول الإفريقية مؤشراً كاشفاً لطبيعة العلاقات الأمريكية – الإفريقية في مرحلتها الراهنة. فالقرار، الذي دخل حيّز التنفيذ مطلع عام 2026، ويفرض ضماناً مالياً يصل إلى 15 ألف دولار على طالبي التأشيرة من 13 دولة، بينها 11 دولة إفريقية، لا يمكن فهمه كإجراء إداري معزول، بل كجزء من مقاربة أوسع ترى في إفريقيا فضاءً أمنياً هشّاً، وسكانها مصدراً محتملاً للمخاطر، لا شركاء متساوين في نظام دولي يُفترض أنه قائم على الانفتاح والتبادل.

وتبرّر واشنطن هذه الإجراءات بالرغبة في الحد من تجاوز مدة الإقامة القانونية، غير أن الطابع الانتقائي للقرار، وتركيزه على دول إفريقية بعينها، يكشف منطقاً مغايراً يقوم على ما يمكن وصفه بـ“الهندسة الوقائية للإقصاء”. فالضمان المالي المرتفع، إلى جانب المقابلات المشددة، وفحص الحسابات الرقمية، والتدقيق في تاريخ السفر العائلي، يحوّل التنقل من حق مشروع إلى امتياز طبقي، ويعيد إنتاج صورة نمطية عن الإفريقي بوصفه “مهاجراً محتملاً”، حتى عندما يكون طالب علم، أو رجل أعمال، أو مريضاً يسعى للعلاج.

ولا تقتصر آثار هذه السياسات على الأفراد، بل تمتد إلى تقويض أحد أهم مصادر النفوذ الأمريكي في القارة، أي القوة الناعمة. فقد ارتكز الحضور الأمريكي لعقود على الجامعات، والمنح الدراسية، وبرامج التبادل الأكاديمي والثقافي. وتشير بيانات وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن تطبيق نظام الضمان المالي أسهم في انخفاض طلبات التأشيرات من دول مثل نيجيريا بنحو 40% خلال عام 2025. ويتزامن ذلك مع تراجع اقتصادي أوسع عقب انتهاء العمل بقانون النمو والفرص في إفريقيا في سبتمبر 2025، ما حرم دولاً إفريقية من وصول تفضيلي إلى الأسواق الأمريكية، وأدى إلى خسائر كبيرة في قطاعات حيوية كصناعة السيارات والنسيج.

وفي الوقت الذي تشدّد فيه واشنطن القيود على حركة الأفارقة، تواصل التأكيد خطابياً على أهمية الشراكة مع القارة، وعلى دورها المحوري في الأمن الدولي. ويطرح هذا التناقض سؤالاً جوهرياً حول إمكانية بناء شراكة استراتيجية مع قارة يُنظر إلى شعوبها باعتبارها خطراً محتملاً. ويتجلى هذا التناقض أيضاً في التراجع الحاد للتبادل الأكاديمي، إذ انخفض عدد الطلاب الأفارقة في الجامعات الأمريكية بنحو 25% عام 2025، في مقابل توسّع النفوذ التعليمي الصيني عبر منح دراسية واسعة النطاق.

ويتوازى هذا المسار مع تصاعد الحضور العسكري الأمريكي في القارة من خلال قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، التي أُنشئت عام 2007 تحت شعار مكافحة الإرهاب وبناء القدرات العسكرية الإفريقية. ورغم نفي واشنطن سعيها إلى عسكرة القارة، فإن انتشار القواعد العسكرية والطائرات المسيّرة والعمليات الاستخباراتية، خاصة في الساحل وشرق إفريقيا، يعكس مقاربة تختزل إفريقيا في بعدها الأمني، وتتعامل معها كجبهة متقدمة في صراع جيوسياسي أوسع مع الصين وروسيا.

وقد أسهم هذا التمركز الأمني في دفع عدد من الدول الإفريقية نحو شركاء بديلين، إذ حلّ الحضور الروسي محل الوجود الأمريكي في بعض دول الساحل، بينما وسّعت الصين نفوذها الاقتصادي والأمني مستفيدة من تراجع الدور التنموي الأمريكي. وفي عام 2025، أقرّ قائد أفريكوم بفشل سياسات مكافحة حركة الشباب في الصومال، رغم آلاف الضربات الجوية، كما اتجهت الولايات المتحدة نحو صفقات أمنية مرتبطة بالموارد، في سياق تنافسي متصاعد مع الصين.

في المقابل، تعكس ردود الفعل الإفريقية تحوّلاً لافتاً في الوعي السياسي، تجلّى في إجراءات مقابلة على صعيد التأشيرات، وانتقادات علنية للخطاب الأمريكي، ورفض اتهامات جرى توظيفها كأدوات ضغط سياسي. وتكشف هذه التطورات عن قطيعة سياسية ونفسية متنامية مع واشنطن، خاصة في المناطق التي شهدت أعلى كثافة لنشاط أفريكوم خلال العقد الماضي.

في ضوء ذلك، تبدو أزمة التأشيرات تعبيراً عن أزمة أعمق في فلسفة العلاقة الأمريكية–الإفريقية. فإذا استمرت واشنطن في التعامل مع القارة من منظور أمني ضيق، فقد يتسارع اتجاه إعادة التموضع الإفريقي نحو شراكات أكثر تنوعاً، وتعزيز التكامل القاري، وإعادة تعريف مفهوم الأمن بوصفه نتاجاً للتنمية والعدالة الاجتماعية. فالمستقبل لن يُحسم عبر مزيد من القواعد العسكرية أو القيود الإقصائية، بل عبر تحول حقيقي في منطق الشراكة، يقوم على الندية والاحترام المتبادل، في عالم يتجه بثبات نحو التعددية القطبية.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى