
لم يكن اجتماع بعبدا بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، بل جاء في لحظة سياسية بالغة الدقة، حيث يتقاطع الانقسام الداخلي مع اشتداد الضغوط الإقليمية، ويقف لبنان مجددًا على حافة خيارات كبرى تتجاوز الاستحقاق الانتخابي إلى إعادة تعريف التوازنات السياسية في البلاد.
في الشكل، خرج الرئيس نبيه بري ليختصر اللقاء بكلمة واحدة: “الاجتماع ممتاز”. أما في الجوهر، فقد بدا أن الرجل وضع يده على أخطر ملف في المرحلة المقبلة: الانتخابات النيابية، ليس بوصفها استحقاقًا دستوريًا فحسب، بل كاختبار سياسي شامل لكل القوى، ورسالة مباشرة بأن زمن إدارة الأزمات عبر التمديد والتسويات الرمادية يقترب من نهايته.
اللقاء جاء بعد قطيعة واضحة بين رئيس الجمهورية وحزب الله، وما رافقها من توتر في البيئة الشيعية وانتقادات حادة غير مسبوقة. وهذا التوتر لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تدفع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتجاه إعادة رسم المشهد الإقليمي، وفق مقاربة تقوم على تحجيم إيران وأذرعها، وفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة في أكثر من ساحة، ولبنان ليس استثناءً من هذه المعادلة.
في هذا المناخ، لم يعد سلاح حزب الله مجرد ملف مقاومة أو عنصر ردع في مواجهة إسرائيل، بل تحوّل إلى إشكالية سياسية داخلية ثقيلة، تُطرح اليوم كجزء من إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومكوّن أساسي من مكوّناتها، في ظل ضغوط خارجية غير مسبوقة، وتوازنات داخلية أكثر هشاشة.
هنا، يظهر دور بري كلاعب توازن تقليدي، لكنه هذه المرة اختار الذهاب أبعد من إدارة الخلاف إلى فرض وقائع سياسية. فبإعلانه الصريح الالتزام بإجراء الانتخابات في موعدها، ورفضه المسبق لأي تمديد تقني، يكون قد رمى كرة النار في ملعب الجميع: رئاسة، حكومة، قوى سياسية، وأطراف إقليمية تمسك بخيوط التأثير في الداخل اللبناني.
الأخطر في موقف بري ليس فقط الإصرار على الموعد، بل الإشارة الواضحة إلى سقوط بند اقتراع المغتربين للنواب الستة، والتمسك بالقانون الحالي، ما يعني أن الانتخابات، إذا حصلت، ستجري وفق ميزان قوى تقليدي، في لحظة إقليمية غير تقليدية، ما يفتح الباب على مفاجآت كبرى لا يمكن ضبط إيقاعها بسهولة.
لبنان، في هذه اللحظة، لا يتجه فقط إلى انتخابات، بل إلى مواجهة سياسية مفتوحة:
إما الذهاب إلى صناديق الاقتراع وسط عاصفة إقليمية، في مغامرة قد تعيد خلط الأوراق داخليًا،
وإما تطيير الاستحقاق بالكامل، ما يعني إدخال البلاد في فراغ سياسي جديد، يوازي في خطورته الانهيار الاقتصادي والمؤسساتي القائم.
بكلام آخر، لم يعد السؤال: هل ستُجرى الانتخابات؟
بل: أي لبنان سيخرج من هذه الانتخابات إذا حصلت؟
وأي توازنات ستُفرض على البلاد إذا جرى تعطيلها؟
في الحالتين، الواضح أن لبنان لم يعد يملك ترف الوقت، ولا ترف الهروب إلى الأمام. فالاستحقاق النيابي تحوّل إلى مرآة للأزمة الكبرى: أزمة دولة تتنازعها الإرادات الإقليمية، وتتصارع داخلها مشاريع متناقضة، فيما المواطن يدفع ثمن التعطيل، مرة باسم الاستقرار، ومرة باسم التوازن، ومرة باسم الضرورات الإقليمية.
ما فعله بري هو وضع الجميع أمام لحظة الحقيقة:
إما تحمّل المسؤولية والذهاب إلى مواجهة سياسية عبر صناديق الاقتراع،
وإما الاعتراف بأن القرار اللبناني لم يعد يُصنع في بيروت وحدها.






