
عندما يصرّح النائب العام بأن ما يقارب 70% من الوقود ومشتقاته يُصرف لجهات عامة وخاصة دون وجه حق، فإننا لا نكون أمام خلل إداري عابر، بل أمام نموذج دولة مخطوفة: مواردها تُنهب، دعمها يُهرّب، ونقدها يُشوَّه، وديونها تتراكم بلا مساءلة.
أن انهيار الدينار ليس نتيجة سلوك المواطن، بل نتيجة منظومة سياسية–عسكرية–مالية موازية قادها حفتر وحوّلت موارد الدولة إلى وقود لاقتصاد ظلّ.
أولًا: نهب النفط – الجريمة التأسيسية
النفط هو عمود الدولة الليبية. لكن منذ 2014 تحوّل إلى أداة صراع وتمويل خارج سلطة الخزانة العامة.
الانقلاب العسكري الذي قاده خليفة حفتر في الشرق أدى إلى:
السيطرة الفعلية على مناطق إنتاج ونقل النفط،
استخدام الإغلاقات كورقة ابتزاز سياسي،
فتح الباب أمام اقتصاد موازٍ يستفيد من الموارد دون توريدها المنتظم للدولة.
النتيجة: إيرادات غير مستقرة، تخطيط مالي مرتبك، فجوة دائمة بين الدخل والإنفاق… وهذه كانت بذرة كل ما تلا.
ثانيًا: تشويه النظام النقدي – من الطباعة إلى المضاربة
مع تراجع الإيرادات المنتظمة، جرى العبث بالسياسة النقدية عبر:
طباعة عملة خارج المصرف المركزي دون غطاء قانوني،
تداول عملة غير خاضعة للرقابة،
خلق قنوات نقد موازية خارج النظام المصرفي.
ثم جاءت سياسة الرسوم على سعر الصرف (27% ثم 20% ثم 15%) كحل مؤقت تحوّل إلى عبء دائم:
رفعت كلفة الدولار على المواطن،
غذّت السوق السوداء،
ولم تُقابل بقدرة حقيقية على توفير النقد الأجنبي.
هكذا انتقل ثمن الفشل من الإدارة المالية إلى جيب المواطن مباشرة.
ثالثًا: الدَّين العام – 300 مليار بلا مساءلة
في ظل هذا الاختلال، لجأت الدولة – رسميًا وموازيًا – إلى الاستدانة:
ديون داخلية بلا سقوف واضحة،
التزامات خارج الميزانية،
تعهدات إنفاق غير مصادق عليها تشريعيًا.
اليوم نتحدث عن دين عام يقترب من 300 مليار دينار، لم يُوظَّف في بناء قاعدة إنتاجية أو إصلاح هيكلي، بل في:
تغطية إنفاق جاري متضخم،
تمويل شبكات نفوذ،
وإدامة اقتصاد يعتمد على المسكنات لا الحلول.
الأخطر أن جزءًا كبيرًا من هذه الديون نشأ في سياق اقتصاد موازٍ لا يخضع لرقابة ديوان المحاسبة ولا لتشريع واضح.
رابعًا: أزمة شركة أركنو – نموذج الدولة المخطوفة
قضية شركة أركنو ليست حادثة مالية معزولة، بل تجسيد لطريقة إدارة الدولة في ظل المنظومة الموازية:
شركات تُنشأ أو تُمنح امتيازات خارج الأطر الشفافة،
موارد عامة تُدار بعقلية الغنيمة،
عقود وتخصيصات تُمنح بقوة الأمر الواقع لا بقوة القانون.
أركنو تمثل كيف تُستخدم الدولة كواجهة، بينما تُدار الثروة فعليًا من خارج مؤسساتها.
خامسًا: الإنفاق الموازي – الدولة داخل الدولة
النتيجة الطبيعية لكل ما سبق كانت نشوء إنفاق موازٍ:
خارج الميزانية العامة،
بلا أجهزة رقابية فاعلة،
تُدار فيه التخصيصات والوقود والتمويل بأوامر واقع لا بقوانين.
وهنا يتقاطع ملف الوقود: تحوّل الدعم إلى:
مصدر تمويل غير مباشر،
قناة تهريب منظمة،
وأداة لشراء الولاءات السياسية والعسكرية.
تصريح النائب العام حول ذهاب 70% من الوقود “دون وجه حق” لا يمكن فصله عن هذه المنظومة، ولا عن الجهات التي استفادت منها، وعلى رأسها الكيانات المرتبطة بمنظومة حفتر في الشرق، التي استخدمت الوقود كرافعة اقتصادية وعسكرية خارج سلطة الدولة.
الخلاصة: من أين يبدأ الإصلاح؟
الإصلاح لا يبدأ من رفع الدعم عن المواطن، بل من:
رفع الغطاء السياسي عن منظومات النهب،
تسمية الجهات والأشخاص الاعتباريين المستفيدين من الوقود دون وجه حق،
وقف التخصيصات المشبوهة فورًا،
فتح ملفات الإنفاق الموازي والدَّين خارج الميزانية،
إعلان نتائج التحقيق للرأي العام بالأرقام والأسماء.
الدولة لا تُستعاد بمعاقبة الفقير،
ولا يُنقذ الاقتصاد بتحميل المواطن ثمن الفساد،
بل بكسر الحلقة التي بدأت بنهب النفط، وتشوهت عبر النقد، وتراكمت في الديون، وانتهت بإنفاقٍ موازٍ يلتهم ما تبقى من الدولة.
وإن كانت هناك إرادة حقيقية للإنقاذ،
فالبداية ليست من جيب الشعب…
بل من الملفات المغلقة في الأدراج، وأسماء من حوّلوا الوقود إلى غنيمة، والدولة إلى ظل.







