مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب.. الحبّ الأوّل، حبّ الطفولة والمراهقة


لا يبدأ الحبّ الأوّل من القلب، بل من الذاكرة…
من تلك المساحة الرقيقة التي تسبق الوعي،
حين لا نعرف لماذا نحب، ولا نملك شجاعة السؤال.
يأتي كنسمةٍ خجولة في صدر طفل،
كارتباكٍ جميل لا اسم له،
كدهشةٍ لا تطلب تفسيرًا.
لا يشبه ما نعرفه لاحقًا من علاقات،
ولا يطلب وعدًا أو نهاية
هو فقط يمرّ…
ليعلّم القلب كيف يخفق
ثم يتركه وحيدًا مع الدرس.
الحبّ الأوّل لا يرفع صوته،
ولا يطالب بشيء
لكنه يزرع في الداخل بذرة
لا تموت،
حتى إن تغيّرت الفصول،
وتبدّلت الوجوه
وصار العمر أثقل.


لم يأتِ الحبّ الأوّل كنصٍّ محفوظ في كتاب القراءة، ولا كدرسٍ يُملى على السبورة، بل تسلّل كدعاءٍ خافت في قلب طفل لم يكن يعرف من الحياة سوى أن الأشياء الجميلة لا تشرح نفسها. كان حبًّا بلا أسماء، بلا وعود، بلا لغة واضحة، كأن القلب تعلّم النبض قبل أن يتعلّم الكلام.
كانت من بورسعيد، من أسرةٍ مهجَّرة بعد نكسة ٦٧، تحمل في عينيها حكاية مدينة خرجت من البحر لتسكن الغياب. جاءت مع أهلها إلى حيٍّ مجاور لنا في المنصورة، فصارت الجيرة قدرًا، وصار الصمت لغةً مشتركة.
كنا نلتقي كل صيف في جمصة، نصنع من الرمل قصورًا، ومن الصمت اعترافات. لم نقل شيئًا… لكن كل شيء كان يُقال.
كنت أصغر منها عمرًا بساعات، لكنها كانت أكبر من أي فتاة عرفتها. لم تكن فقط أول من حرّك قلبي في الطفولة، بل أول من علّمني أن الحب لا يُقال… بل يُرتَجَف.
كان إحساسًا ينمو في الصدر بلا إذن، ويقيم دون أن يطلب إقامة. واستمر هذا الشعور حتى لحظة سفري إلى بريطانيا، وتحديدًا إلى ميلفيلد سكول. ثم جاءت عودتها هي وأسرتها إلى بورسعيد بعد إعادة افتتاح قناة السويس… فكانت تلك النهاية التي لم نكتبها، ولا ودّعناها، فقط تركناها تمشي بعيدًا مثل حلمٍ استيقظ قبل اكتماله.


مرّت السنوات، وكما يعود البحر كل صيف إلى شاطئه، عاد شعور آخر إلى القلب في المصيف ذاته… جمصة.
هذه المرة كان أكثر وضوحًا، أقل براءة، لكنه لا يزال ناعمًا. فتاة من عائلة برلمانية كبيرة، تسكن بجوارنا في الفيلا رقم ١١. كنا زميلين في السنة الأولى الثانوية، نتقاسم المقاعد والأسئلة الصغيرة، ونخبئ المشاعر كما يُخفى السرّ الثمين.


وحين أصبحتُ رئيسًا لاتحاد طلاب الجمهورية، التحقت هي بالتجربة ذاتها. كأن الطريق اختار أن يجمعنا مرة أخرى. كانت بيننا مشاعر متفتّحة، نمت في تربة من الثقة والمودّة. تبادلنا الرسائل بخجلٍ منمّق، وبدفء يشبه دفء جمصة بعد الغروب، حين يهدأ البحر ويصير الصمت صديقًا.


نضجت الحكاية، وكادت أن تُتوَّج بموافقة الأهل، لولا أن السياسة — كعادتها — لا تطرق الأبواب بل تكسرها. كتبت بيانًا في اتحاد طلاب الجمهورية أدنتُ فيه استقبال السادات لشاه إيران بعد ثورة شعبه. بيان كُتب على آلة كاتبة قديمة، لكن صداه كان أعلى مما توقعت. اعتُبر إهانةً للرئيس، وكانت النتيجة اعتقالي لأيام.
تلك الأيام القليلة كانت كافية لإطفاء كل شيء. كانت أسرة الفتاة تمرّ بأزمة سياسية بالفعل، بعد اعتقال قريب لهم في أحداث الحرم المكي. صار وجودي في حياتها وقتها حبًّا… ملحًا على جرحٍ مفتوح.


الملح لا يُنسى طعمه، لكنه لا يُحتمل فوق الجرح. انسحبتُ بصمت، دون خصام، ودون تفسير. لم نغلق الباب… تركناه مواربًا للألم. فقط انتهت الحكاية.
في الزنزانة، اكتشفت أنني لا أفتقد الحرية بقدر ما أفتقد الحبيبة. كتبت في دفتري:


«لم يكن القيد هو المؤلم… بل الفقد، حين يأتي من تحبّك أكثر خوفًا عليك من حبك له.»
أدركت وقتها أن السجن ليس دائمًا أربعة جدران، بل قد يكون انسحابًا بلا وداع، أو زمنًا يختار أن يكسر ما لا يريد له الاكتمال.
بين حبٍّ عاش ومات في صمت الطفولة، واعتقالٍ جاء كمطرٍ مفاجئ فوق جناحين مراهقين صغيرين… كانت تلك السنوات تنحتني ببطء. لم تكن مطرقة، بل أظافر الوقت، تخدش الروح لتعلّمها الصبر، وتوسّع القلب ليحتمل ما سيأتي.
لم تبدأ رحلتي الإنسانية من قاعة محاضرات جامعية، بل من فيلا تطل على بحر جمصة، ومن بيان مطبوع بحبرٍ خائف، ومن فتاة قالت لي ذات مساء:
«دعنا نحلم أولًا… ثم نقرر.»
من أول تحدٍّ، وأول خسارة، وأول انتصار صغير على النفس… بدأت حكايتي مع العاطفة، ومع السياسة، ومع الحياة التي لا تفصل القلب عن الموقف.
لا ينتهي الحبّ الأوّل،
هو فقط يتوارى.
يتخفّى في تفاصيل صغيرة:
في بحرٍ بعيد،
في رائحة صيفٍ قديم،
في جملةٍ لم نكملها،
وفي وداعٍ لم نقله.
نمضي في الحياة،
نحبّ أكثر،
ونخسر أكثر،
لكن ذلك الحبّ الأوّل
يبقى المقياس الصامت،
الذي نقيس به كل ما يأتي بعده،
دون أن نعترف.
هو ليس حكايةً نرويها،
بل أثرٌ نحمله.
ليس شخصًا غاب،
بل زمنًا لم يعد.
وجوه لا تغيب…
لأن بعض الأحبّة
لا يعيشون في الواقع،
بل في الوجدان.
ولأن الحبّ الأوّل
لا يشيخ…
هو فقط يصمت،
ويترك القلب يتذكّر

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى