مقالات وآراء

روبا مرعي تكتب: ما بعد شرق الفرات: تسويات مفروضة وإعادة هندسة النفوذ في سوريا

لم يعد شرق الفرات مجرد ساحة صراع محلية، بل تحوّل إلى محور مركزي في عملية إعادة تشكيل التوازنات السورية والإقليمية والدولية. التطورات الأخيرة تشير إلى أن ما يجري هناك يتجاوز ملف “قسد” وعلاقتها بدمشق، ليطال طبيعة النظام الإقليمي الذي يُعاد بناؤه على أنقاض الحرب السورية، ضمن مسار تتقاطع فيه المصالح الأميركية والتركية والإسرائيلية والروسية.


في هذا الإطار، يندرج ما يُتداول عن “اتفاق باريس” بين إسرائيل وسوريا، برعاية تركية–أميركية–فرنسية–روسية، ضمن سياق أوسع لإعادة تنظيم مناطق النفوذ وترتيب خطوط الاشتباك. سواء أُعلن هذا التفاهم رسمياً أم بقي في إطار التفاهمات غير المعلنة، فإن المؤشرات السياسية والميدانية توحي بوجود مظلة دولية تهدف إلى تثبيت مرحلة انتقالية في الجغرافيا السورية، تقوم على تقليص ساحات الصراع المفتوح مقابل فرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة.


الشمال السوري: من التدخل إلى إدارة النفوذ


بعد أن حققت تركيا الجزء الأكبر من أهدافها الأمنية في الشمال السوري، ولا سيما في ما يتصل بتحجيم التهديدات المرتبطة بالملف الكردي، ومع تمدد الدولة السورية إلى مناطق كانت سابقاً خارج سيطرتها، يبرز ما يشبه انسحاباً محسوباً وإعادة تموضع باتجاه غرب الفرات. هذا التحول لا يمكن قراءته كخطوة تكتيكية معزولة، بل كجزء من إعادة توزيع أدوار، حيث تنتقل أنقرة تدريجياً من التدخل العسكري المباشر إلى إدارة النفوذ عبر تفاهمات سياسية وأمنية، تتقاطع مع أولوياتها الداخلية ومع التوجه الدولي الساعي إلى تقليص بؤر الاشتباك.
هذا المسار يتلاقى مع مقاربة أميركية جديدة، يقودها المبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك، تقوم على تقليص هامش القوى غير الدولتية، ودفع الأطراف الإقليمية نحو تسويات تعيد الاعتبار للدولة المركزية، ولو بصيغ مرحلية.


العمق السوري وإسرائيل: إعادة ضبط قواعد الاشتباك


التصعيد الإسرائيلي الذي بلغ عمق الجغرافيا السورية، وصولاً إلى محيط دمشق، يعكس تحولاً في قواعد الاشتباك. فإسرائيل لم تعد تكتفي بضرب أطراف النفوذ، بل باتت ترسم خطوطاً أمنية داخل العمق السوري نفسه، في سياق يهدف إلى تحجيم الدور الإيراني وفرض وقائع ميدانية جديدة.
هذا التحول لا ينفصل عن المسار السياسي الموازي، الذي يسعى إلى إعادة ترتيب المجال السوري بما يحدّ من نفوذ طهران، ويؤمّن لإسرائيل بيئة أمنية أقل كلفة على المدى المتوسط. وفي هذا السياق، تتراجع بعض المشاريع الكبرى التي طُرحت في مراحل سابقة، مثل تصورات الممرات الجيوسياسية المباشرة، لصالح مقاربة أكثر هدوءاً تقوم على ترسيخ حضور الدولة السورية والقبائل العربية في المناطق الحدودية، بما يخلق واقعاً ميدانياً يقيّد حركة الفاعلين الإقليميين ويمنح القوى الدولية أدوات ضبط غير مباشرة.
الحدود العراقية – السورية: المجال العشائري كعنصر استقرار مشروط


يشكّل الامتداد العشائري العربي على طرفي الحدود العراقية–السورية عاملاً محورياً في المرحلة المقبلة. هذا الامتداد لا يحمل بعداً اجتماعياً فحسب، بل يتحول إلى عنصر سياسي وأمني في معادلة ضبط الحدود ومنع تحوّلها إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية بالوكالة.
غير أن حساسية هذه الجغرافيا، المتاخمة لمناطق ذات غالبية سنّية في غرب العراق وشرق سوريا، تجعلها أيضاً قابلة للاشتعال في حال اختلال التوازنات، أو في حال عاد التنافس الأميركي–الإيراني–التركي إلى مستويات أعلى من التصعيد. من هنا، فإن إعادة تنظيم هذه الحدود لا تتم فقط عبر الجيوش، بل عبر إعادة هندسة العلاقات المحلية والعشائرية ضمن ترتيبات أوسع ترعاها قوى دولية.


توم باراك: من إدارة الصراع إلى فرض مسار التسوية


ضمن هذا المشهد، يبرز دور توم باراك كأحد مهندسي الانتقال من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة فرض مسار تسوية موجهة. باراك لا يعمل كوسيط تقليدي، بل كصاحب مقاربة تقوم على تقليص المناطق الرمادية وإنهاء ظاهرة الكيانات المسلحة شبه المستقلة، وفي مقدمتها “قسد”.
ما طرحه باراك على الأطراف السورية، وفق ما يتداول في الأوساط الدبلوماسية، يتمحور حول إعادة دمج شرق الفرات ضمن بنية الدولة السورية، ونقل الملفات الحساسة مثل النفط والسجون والحدود إلى إشراف مركزي، مقابل تخفيف الضغوط العسكرية وفتح نافذة لإعادة تأهيل تدريجي لسوريا ضمن النظام الإقليمي.


هذه المقاربة تعني عملياً أن واشنطن انتقلت من دور حماية قوى الأمر الواقع إلى دور الضغط عليها للالتحاق بمسار الدولة المركزية، حتى لو جاء ذلك على حساب ترتيبات سادت خلال سنوات الحرب.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى