مقالات وآراء

أحمد كناني يكتب: صلاة في حقل الحداثة: أم كلثوم ووسيلة بن عمار في جامع الزيتونة!

في تلك اللقطة النادرة التي التُقطت داخل مسجد الزيتونة بتونس عام 1968، حيث وقفت كوكب الشرق أم كلثوم إلى جوار وسيلة بن عمار زوجة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة أثناء الصلاة، لا نقف أمام صورة تذكارية عابرة لزيارة فنية، بل أمام وثيقة رمزية كثيفة الدلالات تتقاطع فيها السياسة بالثقافة والدين بالحداثة والجسد بالمعنى. الصورة كما تُروى كانت أثناء أداء الصلاة في أول زيارة لأم كلثوم إلى تونس، غير أن ما يجعلها غريبة بل مقلقة في سياقها التاريخي ليس فعل الصلاة في ذاته، وإنما كيفيّة أدائه ولغة الجسد المصاحبة له وما يحيط بالمشهد من سياق سياسي وثقافي كان يعاد فيه تشكيل الشخصية التونسية على نار هادئة.

أول ما يلفت النظر أن هذه الصورة ليست مجرد أثر لما كان، بل هي حدث بصري بامتياز. فعندما تُلتقط الصلاة بالكاميرا وتُدرج في سياق رسمي، تتحول الشعيرة الدينية من ممارسة خاصة إلى جزء من خطاب عام. وهكذا تنتقل الصلاة من كونها علاقة عمودية بين العبد وربه إلى علامة قابلة للتأويل السياسي والثقافي. وجود أم كلثوم، رمز المشرق العربي والصوت الذي كان يُنصت له كما يُنصت للخطاب الجامع، إلى جانب وسيلة بن عمار، المرأة القوية في محيط بورقيبة والوجه الأنثوي غير المعلن للسلطة، يجعل من المشهد لقاءً بين رمزين لا بين شخصين فحسب. إنه التقاء يحمل في طياته حوارا صامتا بين مشروعين وتقليدين وذاكرتين جماعيتين.

لغة الجسد في الصورة لا توحي بخشوع تقليدي مألوف. الأجساد مستقيمة أكثر مما ينبغي، والحركات محسوبة، والنظرات إن ظهرت لا تغيب فيها الكاميرا. لسنا أمام صلاة منغمسة في الغيب، بل أمام صلاة واعية بذاتها وبمن يراها. هذا الوعي ينتج توترا بين الفعل الديني بوصفه ممارسة داخلية والفعل الرمزي بوصفه رسالة للخارج. هل هو استهتار بالشعيرة؟ أم هو تديّن حداثي مُهذّب، منزوع من طقسيته الثقيلة، متصالح مع عين الدولة والكاميرا والإعلام؟

الأقرب أن المشهد يعكس دينا مُعاد تأطيره، لا يُنكر الصلاة لكنه يفرغها من بعدها الصوفي العميق، ليجعلها مقبولة ضمن مشروع تحديثي لا يريد القطيعة التامة مع المقدّس ولا يقبل في الوقت نفسه بسطوته الكاملة.

وسيلة بن عمار في الصورة ليست “امرأة تصلي” فحسب، بل جسدا سياسيا بامتياز. حضورها في الصلاة هو امتداد لحضورها في الدولة. إنها تؤدي الشعيرة ضمن منطق التمثيل: تمثيل المرأة العصرية القريبة من السلطة، التي لا تعادي الدين ولكنها لا تخضع له. بهذا المعنى، تصبح الصلاة سلوكا مؤسساتيا لا تجربة روحية خالصة. والجسد هنا لا ينكسر ولا ينحني كليا ولا يذوب في السجود، بل يبقى متماسكا ومسيطرا، تماما كما أراده مشروع بورقيبة للفضاء العام. إنه جسد يعبر عن رؤية للدين كأحد مكونات الهوية الوطنية المنضبطة، لا كسلطة مستقلة فوق الدولة.

أما أم كلثوم فهي حالة مختلفة. فهي لم تكن ابنة المشروع البورقيبي، بل ابنة تقليد مصري محافظ شكليا وصوفي المزاج وجدانيا. لكنها في هذا المشهد تبدو وكأنها تتكيّف مع السياق. لا تقود المشهد ولا تعارضه، بل تنخرط فيه. هنا تكمن المفارقة: أم كلثوم التي غنّت للوجد وللدمع وللانكسار، تظهر في صلاة بلا دموع وبلا انكسار ظاهر. كأن صوتها الغائب في الصورة يعوّض صمت الجسد، أو كأن الجسد خضع – لحظة الالتقاط – لمنطق الدولة المضيفة. إنها لحظة استيعاب مؤقت لرمز ثقافي عابر للحدود في فضاء محلي يخضع لتجربة اجتماعية فريدة.

لا يمكن فصل هذه الصورة عن المشروع البورقيبي الأشمل، مشروع “تحديث” قسري استخدم الدولة والقانون والتعليم وأعاد هندسة العلاقة بالدين وخاصة في الفضاء العام. بعد سنوات، ستتشكّل شخصية تونسية تُمارس الدين في الخاص وتتحفّظ عليه في العام، تُبقي الصلاة كهوية وتُقصيها كسلطة. هذه الصورة بأثر رجعي تبدو كأنها بروفة رمزية لما سيحدث لاحقا: دين بلا صخب، وصلاة بلا خشوع، وجسد متديّن لكن غير خاضع. إنها النموذج الأولي للتوازن الهش الذي سيسعى إليه التونسي بين إيمانه الشخصي ومتطلبات المواطنة في دولة حديثة.

في المحصلة، ليست الصورة دليلا على الاستهتار ولا شهادة على الإيمان الخالص. إنها علامة على التباس عميق عاشته تونس – ولا تزال – بين حداثة مفروضة ودين منزوع الدسم وشخصية تبحث عن توازنها بين ما تؤمن به وما يُطلب منها أن تُظهره. هي صورة تقول أكثر مما تُظهر وتخفي أكثر مما تعلن. ولهذا بالذات بقيت حيّة وقابلة للقراءة ومفتوحة على سؤال لم يُحسم بعد:

كيف نصلي حين تكون الدولة معنا في الصف؟!

سؤال يلامس جوهر العلاقة بين الفرد والمؤسسة، بين الإيمان والانتماء، بين الرغبة في الخشوع والخوف من الانكشاف… صورة واحدة تجمع كل هذه الأسئلة في إطار واحد، وتترك للمشاهد مهمة فك شفراتها المتعددة، في تذكرة دائمة بأن التاريخ لا يُكتب بالنوايا فقط، بل بالصور أيضا.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى