المعتصم الكيلاني يشارك في تغطية محاكمة حلب وسط تساؤلات حول العدالة والاستعراض

أشارك في هذا التقرير المنشور على موقع Justice Info لنقل مجريات جلسات المحاكمات العلنية في سوريا المتعلقة بأحداث الساحل. وتأتي هذه المشاركة في إطار مقاربة حقوقية تستند إلى مراقبتي المباشرة لجلسات المحاكمات، بهدف توثيق الإجراءات وتحليلها من منظور العدالة وحقوق الإنسان.
ويُعد موقع Justice Info أكبر منصة دولية متخصصة في العدالة الجنائية الدولية والعدالة الانتقالية، ويُعنى بمتابعة جهود محاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
سوريا: محاكمة حلب على مفترق طرق بين العدالة والعرض
في هذا السياق، تبرز محاكمة حلب بوصفها واحدة من أكثر المحاكمات حساسية في تاريخ سوريا الحديث، ليس فقط بسبب طبيعة الجرائم المنسوبة للمتهمين، بل أيضًا لما تحمله من دلالات سياسية وقانونية في مرحلة انتقالية تحاول فيها السلطة الجديدة في دمشق تثبيت شرعيتها داخليًا وخارجيًا، عبر إظهار التزامها بمبدأ المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.
المحاكمة، التي تُعقد بشكل علني وتُفتح أمام الصحافة المحلية والدولية، تُقدَّم رسميًا باعتبارها خطوة غير مسبوقة نحو العدالة، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت تمثل مسارًا قضائيًا راسخًا، أم أنها تنزلق تدريجيًا نحو طابع استعراضي يهدف إلى إرسال رسائل سياسية أكثر من تحقيق عدالة حقيقية.
جلسة علنية غير مسبوقة
في صباح 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، فتحت محكمة حلب أبوابها تحت حراسة مشددة من الشرطة العسكرية، حيث انعقدت الجلسة الأولى داخل القاعة رقم (3)، وهي قاعة ضيقة ومكتظة بالصحفيين وأفراد عائلات المتهمين ومراقبين حقوقيين.
جلس 14 متهمًا داخل قفص معدني أسود، بعضهم مكبل الأيدي، في مشهد لم تعتده المحاكم السورية من قبل. وأكد القاضي زكريا بكار، الذي ترأس الجلسة بمعاونة مستشارين اثنين، أن “المحكمة ذات سيادة ومستقلة”، مشددًا على التزامها بأحكام قانون العقوبات السوري لعام 1949 المعدل عام 2011، وقانون العقوبات العسكرية لعام 1950.
وخلف منصة الادعاء، جلس المدعي العام في حلب غياث عبد الله مرتديًا رداءه الرسمي الأسود، بينما عُلّق خلفه العلم السوري الجديد، في إشارة رمزية واضحة إلى المرحلة السياسية الجديدة التي تُعقد فيها هذه المحاكمة.
أحداث الساحل في قلب القضية
تتعلق الوقائع محل الملاحقة القضائية بأعمال عنف وقعت بين 7 و9 مارس/آذار 2025 في مدن الساحل السوري، ولا سيما طرطوس واللاذقية، وهي مناطق ذات غالبية من الطائفة العلوية. وجاءت هذه الأحداث عقب هجمات نفذها ضباط سابقون موالون للنظام المنهار على مواقع تابعة لقوات الأمن التابعة للحكومة المؤقتة.
وأسفرت الاشتباكات اللاحقة عن مقتل مدنيين، إلى جانب عمليات نهب وتدمير واسع للممتلكات الخاصة، ما أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر الفترات دموية بعد سقوط النظام السابق.
وبحسب اللجنة الوطنية السورية المستقلة للتحقيق، التي شُكّلت بقرار من الرئيس الانتقالي أحمد الشراع في 9 مارس/آذار 2025، بلغ عدد الضحايا 1426 قتيلًا، معظمهم من المدنيين، إضافة إلى 238 عنصرًا من قوات الأمن. وتقاطعت هذه النتائج مع ما وثقته لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، المكلفة من الأمم المتحدة، والتي تحدثت عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
متهمون من النظام السابق والحالي
تنقسم القضية إلى مجموعتين من المتهمين، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل قاعة المحكمة وخارجها.
المجموعة الأولى تضم سبعة متهمين محسوبين على النظام السابق، وُجهت إليهم تهم التحريض على الفتنة والعنف والنهب. وقد أنكر جميعهم التهم الموجهة إليهم، مؤكدين أن اعترافاتهم انتُزعت تحت الإكراه، وتحدث بعضهم صراحة عن تعرضهم للتعذيب أثناء التحقيق.
أما المجموعة الثانية فتضم سبعة عناصر من قوات الأمن التابعة للسلطة السورية الجديدة، وُجهت إليهم تهم القتل العمد، والنهب، وإحراق الممتلكات الخاصة، والانتماء إلى جماعات مسلحة غير شرعية. ومثل هؤلاء المتهمون أمام المحكمة وهم طلقاء، ما أثار همهمات داخل القاعة، خصوصًا في ظل اعتقاد سائد بأن المحاكمة ستقتصر على عناصر مرتبطة بالنظام السابق فقط.
إشكالات إجرائية وانتقادات حقوقية
أثارت الجلسة الأولى للمحاكمة انتقادات حقوقية عديدة، أبرزها غياب محامين عن عدد من المتهمين، والاعتماد على اعترافات مشكوك في سلامة ظروف الحصول عليها، إضافة إلى عدم عرض الأدلة الرقمية، ولا سيما مقاطع الفيديو، داخل قاعة المحكمة.
وفي الجلسة الثانية التي عُقدت في 18 ديسمبر/كانون الأول 2025، حاولت المحكمة معالجة بعض هذه الإشكالات، حيث منحت المتهمين وقتًا أطول للدفاع عن أنفسهم، وجرى تعيين محامين تدفع الدولة أتعابهم، مع الإعلان عن نية عرض الأدلة الرقمية واستدعاء شهود الدفاع والادعاء في جلسات لاحقة.
ويرى محامون ومراقبون أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية لضمان محاكمة عادلة مكتملة الأركان، خصوصًا في ظل محدودية دور الضحايا ومنظمات المجتمع المدني في مجريات المحاكمة.
مئات القضايا بانتظار الحسم
تشير المعطيات الرسمية إلى أن أكثر من 500 شخص جرى تحديد هويتهم كمشتبه بتورطهم في أحداث العنف التي شهدها الساحل السوري. وقد وُجهت اتهامات إلى 265 شخصًا من الموالين للنظام السابق، ونحو 300 عنصر من الفصائل والقوات التابعة للنظام الحالي.
وتتوزع هذه القضايا بين محكمتين، هما محكمة حلب العسكرية الجنائية ومحكمة دمشق الجنائية، ما يعكس حجم وتعقيد الملف، ويضع القضاء السوري أمام اختبار غير مسبوق.
اختبار العدالة في سوريا ما بعد الأسد
تمثل محاكمة حلب اختبارًا حاسمًا لمستقبل العدالة في سوريا، بين إرساء تقاليد قضائية تقوم على الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان، أو الاكتفاء بمحاكمات ذات طابع استعراضي لا تُفضي إلى إنصاف حقيقي للضحايا ولا تؤسس لمصالحة وطنية مستدامة.
وبينما تؤكد السلطات الانتقالية التزامها بمبدأ عدم الإفلات من العقاب، تبقى الأسئلة مفتوحة حول استقلال القضاء، وحماية الشهود والضحايا، ودور المجتمع المدني، ومدى قدرة هذه المحاكمات على فتح صفحة جديدة في بلد أنهكته سنوات طويلة من العنف والانتهاكات.






