مقالات وآراء

خالد مبارك العبيّد يكتب: عاصفة النفوذ: سردية النظام القادم

العالم اليوم يشبه سفينة تعبر عواصف لم يسبق لها مثيل، بلا قبطان واضح، تتقاذفها الرياح والتيارات كما تشاء.
لم يعد النظام الدولي كما عرفناه، حيث كانت الولايات المتحدة تمسك بمقود القيادة وتوزع الأدوار على حلفائها كما توزّع أوراق الشطرنج. ذلك العالم انتهى، و أصبحنا في فجر عصر جديد، حيث القوة تُقاس بالمرونة، والمصالح تُفرض بلا مواثيق، والصراعات تُدار كأدوات للهيمنة بدل حلها.

الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية أو اقتصادية، بل أصبح مسرحاً تلتقي فيه النفوذ والتكنولوجيا والإعلام والسرديات.
الصين تصنع قواعدها الخاصة بصمت استراتيجي، وروسيا تعيد رسم خطوط القوة دون استئذان أحد، بينما الولايات المتحدة تحاول الإمساك بما تبقى من نفوذها، فتبدو أحياناً ككاهن يحاول الحفاظ على مذبح ينهار من تحته.

الشرق الأوسط، كعادته، هو المختبر الأكبر لهذا التحول.
لم تعد دوله تبحث عن حماية ثابتة من حليف تقليدي، بل تبني تحالفات متقلبة كرقصات الظل؛ تارة تقترب من الشرق، وتارة من الغرب، وفق المصالح الفورية. المنطقة اليوم كتاب مفتوح للتجربة، حيث يمكن لكل دولة أن تُعيد كتابة قواعد اللعبة من خلال ذكاء استراتيجي أو موقع جغرافي أو سلاح مفاجئ.

أما أوروبا، فترى نفسها على مفترق طرق بين إرث تاريخي ضخم وقدرة محدودة على التحكم في الأحداث، وبين الجنوب العالمي الذي بدأ يكتشف أن الفوضى ليست خطراً دائماً، بل فرصة.
العالم لم يعد يخضع للقواعد، بل تُصنع القواعد من الاحتكاك، من المواجهة، ومن من يملك الجرأة ليكتب الواقع بإسم القوة والفرص.

النظام العالمي الجديد ليس مثالياً، ولا عادلاً، ولا مستقراً.
إنه أكثر قسوة، وأكثر صخباً، وأكثر براغماتية. القوة لم تعد مقتصرة على الجيوش أو الاقتصاد، بل هي مزيج من النفوذ الرقمي، والسيطرة على المعلومات، والقدرة على التأثير النفسي والسياسي. في هذا العالم، النجاة ليست للأقوى فقط، بل لمن يعرف كيف يلعب اللعبة دون أن يُستهلك، ومن يستطيع التكيّف مع عالم لا يمنح ضمانات.

لقد ولدت عاصفة جديدة، وعالمنا القديم لم يعد قادرًا على الإمساك بها.
السؤال لم يعد «من يحكم العالم؟»، بل «من يملك الجرأة ليصمد في قلب الفوضى ويصنع دوره في عالم بلا مراكز، بلا قواعد، وبلا رحمة؟».

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى