
أخطر ما يصيب الأفراد والمشاريع ليس الفشل، بل الوهم.
الفشل حالة مؤقتة يمكن تجاوزها، أما الوهم فهو مرض يجعل صاحبه يظن أنه في القمة وهو في الحقيقة سبب السقوط.
المتوهم ليس شخصًا جاهلًا بالضرورة، بل هو شخص يرفض الاعتراف بحدوده، ويتعامل مع ذاته باعتبارها أكبر من الواقع، وأهم من الفكرة، وأسبق من المشروع، وأعلى من الجميع. يرى نفسه القائد الأول والأخير، وصاحب الرؤية التي لا تخطئ، والعقل الذي لا يُراجع، والاسم الذي يجب أن يُذكر في كل إنجاز، مهما كان مصدره الحقيقي.
هذه الشخصية تعيش على صناعة الصورة لا صناعة القيمة. تتحدث كثيرًا، وتخطط بالكلام، وتبني بالأوهام، لكنها حين تُختبر في التخطيط الحقيقي، أو الكتابة المنهجية، أو الشرح الواضح، أو إدارة التفاصيل تنكشف هشاشتها. عندها لا تتراجع، بل تلجأ إلى أسوأ الحلول: الاعتماد على الآخرين دون الاعتراف بهم، واستئجار العقول بدل تطوير الذات، ثم السطو على الجهد ونسبته للنفس.
المتوهم لا يحتمل أن يلمع أحد أمامه. أي نجاح لغيره يشعره بالتهديد. أي إشادة بشخص آخر تُفسَّر عنده كإهانة. أي اسم يُذكر بجواره يُصبح خصمًا محتملًا.
فتتحول الغيرة من شعور إنساني طبيعي إلى سلوك تدميري، يُقصي الكفاءات، ويُحبط المتميزين، ويُحاصر المشروع في دائرة ضيقة من الضعفاء والمتملقين.
وغالبًا ما يستخدم المتوهم المال كوسيلة تعويض نفسي.
لا ينفق لأنه مؤمن، بل لأنه يريد السيطرة. ولا يدعم لأنه شريك، بل لأنه يريد الصمت والطاعة. فيتحول المال من أداة تمكين إلى أداة إخضاع، ومن وسيلة بناء إلى قيد أخلاقي ونفسي.
المشكلة الأكبر أن المتوهم لا يرى نفسه كما هو. هو مقتنع تمامًا أنه المخلّص، وأن من يعارضه حاسد أو جاحد أو غير ناضج.
لا يراجع ذاته، ولا يقبل النصيحة، ولا يفرّق بين النقد والعداء. ولا يهتم الا بأنا ولهذا، فإن أخطر ما في هذه الشخصية أنها تُفسد باسم الإخلاص، وتستبد باسم القيادة، وتُدمّر باسم المشروع.
المتوهم لا يسقط وحده. يسقط ومعه من وثقوا به. يسقط ومعه من تعبوا وبنوا وصدقوا. يسقط ومعه المشروع الذي تحوّل من رسالة إلى مسرح، ومن فكرة إلى لافتة، ومن عمل جماعي إلى تمجيد فردي.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق: كيف نحمي أنفسنا ومشاريعنا من المتوهمين؟
الحماية تبدأ بالوعي، وبفهم أن القيادة ليست صوتًا عاليًا، ولا صورة متصدرة، ولا اسمًا مكررًا، بل كفاءة مثبتة، وتواضع واعٍ، وقدرة على تمكين الآخرين لا ابتلاعهم.
وتبدأ أيضًا بوضع معايير واضحة للإنجاز، وتوثيق الجهود، وربط المواقع بالنتائج لا بالعلاقات أو المال أو الادعاء.
كما تبدأ بالتحرر من وهم “المنقذ الفرد”، وبناء العمل على الشراكة، والمحاسبة، وتداول الأدوار، واحترام العقول، وعدم الخوف من بروز المتميزين، لأن المشروع الذي يخاف من نجاح أبنائه… مشروع مريض.
في النهاية، المتوهم قد ينجح لحظة، وقد يلمع فترة، لكن الحقيقة لا تخون، والواقع لا يُخدع طويلًا. وكل مشروع لا يواجه المتوهمين في داخله مبكرًا.. سيدفع الثمن متأخرًا، وبقسوة.. الأن. الأن.. فلننظر في المرأة ونراجع أنفسنا.. أين نحن من الحقيقة.. والتوهم.







