
ليس كل ما يعرض فكراً، ولا كل ما يمنع خطراً، فالخطر الحقيقي أن تتحول الدولة إلى قارئ أوحد، وتصادر العقول باسم النظام.
وليس كل ما يسمى ثقافة يكون ثقافة.
وليس كل ما يرفع له شعار (الكتاب) يكون حارساً للفكر.
معرض القاهرة الدولي للكتاب، في صورته الراهنة، والسابقة، لا ينشر ولا يعرض إلا ما نال موافقة مسبقة من أجهزة أمنية، وهذا ليس إدعاء، بل حقيقة يعرفها الناشرون، ويهمس بها الكتاب، ويتعايش معها الوسط الثقافي كأمر واقع.
وأنا لي تجارب شخصية في محاولات إنصاف مفكرين مصريين كبار، والسعي لعرض مؤلفاتهم داخل المعرض، وكان في مقدمتهم الراحل الدكتور/ سعد الدين إبراهيم.
كان له مؤلفات لم تكن تحريضاً على عنف، ولا دعوة لهدم الدولة، بل كانت دراسات علمية ناقدة، لكن اسمه وحده كان كافياً للمنع، لم تُقرأ كتبه، ولم يُبحث مضمونها، بل صودرت الفكرة قبل أن تُفتح الصفحة الأولى.
ولي أيضاً تجارب أخرى حين كنت ضيفاً متحدثاً في ندوات متعددة داخل المعرض، لم أُمنع صراحة، لكني سمعت العبارات ذاتها تتكرر بصيغ مختلفة:
(إياك من كذا)
(خليك في كذا)
(بلاش النقطة دي).
وهكذا تتحول الندوة من حوار فكري إلى ممر حذر بين الألغام.
الفكرة الجوهرية لأي معرض كتاب، في أي دولة تحترم العقل، هي حرية الفكر وحرية الاختيار: أن أقرأ ما أريد، لا ما يُراد لي.
أما حين يكون المعروض خاضعاً لرؤية أجهزة تعمل لصالح نظام الحكم، فهنا تسقط الفكرة، ويسقط جوهر الثقافة.
الثقافة لا تُملى إلا في البلاد الديكتاتورية، أو في أنظمة الحكم الشمولية.
ليس من حق الحاكم، ولا السلطان، ولا الدولة، أن تحتكر الفكرة، أو تقدم نفسها باعتبارها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
من حق الناس أن تقرأ، وفي حضرة السلطة ما هو ضدها وضد أفكارها.
بل من حقها أن تطلع على ما يصارع هذه السلطة، دون أن تسعى السلطة نفسها إلى المنع أو المصادرة.
فأي عقول تلك التي تدير معرض القاهرة للكتاب؟
وإذا كان رئيس المعرض غير قادر على عرض أفكار الجميع دون رقابة، فالأجدر به أن يستقيل، وإلا أصبح – عن قصد أو عن عجز – ترساً في ماكينة نظام أمني أكبر، لا علاقة له بالثقافة، ولا صلة له بالفكر.
في النهاية:
الحقيقة التي لا يمكن تجميلها: أنا لا أرى في معرض القاهرة الدولي للكتاب منبراً للفكر الحر، بل أراه منبراً لفكر موجه، يقف تحت سقف السلطة، ويتحرك وفق قاعدة واحدة: قل… ولا تقل.
هل يعقل أن يكون مقر معرض القاهرة الدولي للكتاب، ينحصر ما بين طريقين: طريق (محور المشير) وطريق (الجيش)؟
وعلى الله قصد السبيل
شادي طلعت







