العالم العربيمصر

هيثم الحريري يكتب: بعد 15 عامًا من يناير… ماذا تغير في حياة جيل يوسف؟

كتب هيثم الحريري عبر صفحته الشخصية فيس بوك في صباح الخامس والعشرين من يناير 2011، كان “يوسف” في العاشرة من عمره. لم يكن يفهم معنى الثورة ولا يعرف شيئًا عن السياسة، لكنه فهم أمرًا واحدًا: أن والده خرج غاضبًا، وأن الشارع امتلأ بأناس يرفعون أصواتهم للمرة الأولى دون خوف.

أمسك الطفل يوسف بيد أبيه، نزل إلى الميدان، رأى الأعلام والهتافات ووجوهًا متعبة تبتسم رغم القلق. لم يكن يدرك معنى “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”، لكنه شعر أن ما يحدث أكبر من مجرد مظاهرة، وأنه — دون أن يدري — يشهد لحظة نادرة في تاريخ بلده.

مرت السنوات سريعًا. كبر يوسف، سقط النظام، وتعاقبت أحداث تفوق قدرة جيل كامل على الفهم والاحتمال. اليوم، بعد خمسة عشر عامًا، لم يعد ذلك الطفل موجودًا. أصبح شابًا في الخامسة والعشرين، أنهى تعليمه الجامعي، يحمل شهادة وملفًا بلاستيكيًا يضم أوراقه الرسمية، ويتنقل به بين المكاتب والشركات. لا يبحث عن الثراء ولا عن الامتيازات، بل عن فرصة عمل تكفل له الحد الأدنى من حياة آدمية، وتمنحه إحساسًا بسيطًا بالأمان.

قصة يوسف ليست استثناءً، بل تلخيصًا لتجربة جيل كامل نزل إلى الشارع ليكسر حاجز الخوف، ثم عاد ليصطدم بجدار الواقع. ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا وضروريًا: ماذا تحقق بعد 15 عامًا من ثورة يناير؟ ليس في البيانات الرسمية، بل في حياة يوسف وأقرانه.

أول ما حققته يناير — وهو إنجاز لا يمكن إنكاره — أنها كسرت الخوف. الطفل الذي نزل يومها تعلم، دون أن يُلقن درسًا، أن السلطة ليست قدرًا أبديًا، وأن الشارع ليس حكرًا على أحد، وأن الصمت ليس شرط البقاء. هذا التحول في الوعي الجمعي هو أخطر ما أنجزته الثورة، وهو السبب في كل ما تلاها من صراع، لأن السلطة قد تتسامح مع معارضة صامتة، لكنها تخشى وعيًا لا يخاف.

سياسيًا، فتحت يناير بابًا كان مغلقًا بإحكام. سقط رأس النظام، وبدأ مسار انتقالي شهد انتخابات حقيقية، ودستورًا جديدًا، ونقاشًا عامًا حول شكل الدولة وهوية الحكم. كانت تجربة ناقصة ومرتبكة، لكنها كانت حقيقية. المشكلة لم تكن في الحلم، بل في إدارته. اجتمعت القوى على لحظة التغير، لكنها افترقت عند لحظة البناء. غابت الرؤية، وتقدم الشعار على البرنامج، وتحول الخلاف السياسي الطبيعي إلى صراع صفري أُهدرت فيه الفرصة التاريخية، ودُفع ثمنه من مستقبل الأجيال الأصغر.

ومن أكثر دروس يناير قسوة الخطأ المتمثل في اختزال الدولة في النظام الحاكم. فالصدام غير المحسوب مع مؤسسات الدولة، دون فهم بنيتها أو محاولة إصلاحها تدريجيًا، جعل المعركة غير متكافئة منذ البداية. الدولة ليست شخصًا يمكن إسقاطه، ولا كيانًا يُهدم ثم يُعاد بناؤه بين ليلة وضحاها. السياسة لا تُدار بالعاطفة، بل بفهم موازين القوة، وبإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس القانون والمساءلة، لا الغلبة والإقصاء.

كما كشفت التجربة وهمًا شائعًا مفاده أن الديمقراطية تعني الذهاب إلى صندوق الانتخابات فقط. ما حدث أثبت أن الصندوق بلا ضمانات يتحول إلى أداة صراع لا أداة استقرار.

فالديمقراطية منظومة متكاملة: قضاء مستقل، إعلام حر، تداول سلطة، حماية حقوق، وعدالة اجتماعية. وحين تُختزل هذه المنظومة، تصبح التجربة هشة وسهلة الكسر.

اليوم، حين يقف يوسف في طوابير البحث عن عمل، أو يتصفح إعلانات وظائف لا تكفي دخلها لحياة كريمة، يدرك أن الحديث عن “الاستقرار” يفقد معناه. إذا لم يُترجم إلى أمان اجتماعي حقيقي. فالاستقرار لا يُقاس بعدد سنوات الهدوء الظاهري، بل بقدرة الدولة على إنتاج الأمل، وعلى إقناع شبابها بأن البقاء داخل الوطن خيار عقلاني، لا مغامرة خاسرة.

الاستقرار الحقيقي ليس نقيض السياسة، بل نقيض الفوضى. ولا يُبنى بإغلاق المجال العام أو تجريم الاختلاف، لأن المجتمعات التي تُمنع من التعبير لا تستقر، بل تتراكم أزماتها تحت السطح. الاستقرار المستدام يتطلب الاعتراف بالتعدد، وبأن المعارضة ليست تهديدًا للدولة، بل ضمانة لها.

كما أن الاستقرار لا يمكن فصله عن العدالة الاجتماعية. فلا معنى لدولة توصف بالمستقرة بينما قطاعات واسعة من شبابها عاجزة عن العمل أو عن التخطيط للمستقبل.

الاستقرار الحقيقي يُبنى من أسفل، عبر عقد اجتماعي واضح. يحدد الحقوق والواجبات، ويعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس المواطنة وسيادة القانون.

بعد خمسة عشر عامًا، لم يعد السؤال: هل كانت ثورة يناير صائبة أم خاطئة؟ بل: هل تعلمنا منها؟ يوسف وجيله لا ينتظرون معجزات، بل قواعد عادلة وفرصًا حقيقية ومسارًا يمكن الوثوق به.

وفي صباح آخر من يناير، يمر يوسف من نفس الميدان الذي دخله طفلًا ممسكًا بيد أبيه. يقف للحظة، لا يهتف ولا يرفع علمًا، لكنه يتذكر الطفل الذي صدق أن الوطن يمكن أن يكون أعدل، ويسأل نفسه: هل أصبح ذلك الحلم أقرب… أم ما زال مؤجلًا؟

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى