مقالات وآراء

خالد شوكات يكتب: لماذا يُصنِّف بعضهم الجمهورية الإسلامية الإيرانية نظامًا استبداديًا؟

في تجارب الانتقال الديمقراطي التي عاشها العرب لفترة وجيزة بعد ثورات الربيع العربي، يُفترض بالنخب السياسية والفكرية، خصوصًا التيارات المرتبطة بمرجعية الهوية العربية الإسلامية لبلدانهم، اصطدامها ببعض الخطوط الحمراء فيما يتعلّق بالعلاقات مع الدول الغربية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)، ويمكن إيجازها في الأساسي منها كما يلي:

•⁠ ⁠حدود السيادة، والسيادة على الثروات والموارد الطبيعية
•⁠ ⁠حدود الحريات وطبيعة المجتمع على نحو قد يمس من الثوابت والأساسيات من قبيل: مجتمع الأسرة والقيم العائلية (في مقابل مجتمع الفردانية/المثلية)، مجتمع الإيمان (في مقابل مجتمع الإلحاد)… إلخ
•⁠ ⁠الموقف من الصراع العربي–الإسرائيلي وقضية فلسطين

وهذه القضايا هي إشكاليات حقيقية تقع في قلب الصراع الفكري والسياسي، ولا أبالغ إذا قلت إن الانقلابات التي نُفذت على تجارب الانتقال الديمقراطي قد نبعت، بشكل أو بآخر، من رحم هذا الصراع المتفجّر ظاهريًا وباطنيًا حول هذه القضايا.

وعلى الرغم من اختلاف السياقات بين الثورة الإسلامية في إيران وثورات الربيع العربي، فإن الأسئلة التي طُرحت على إيران بعد إسقاط نظام الشاه كانت هي نفسها، لكن الاختلاف الرئيسي في الحالتين كان وجود قيادة واضحة للثورة الإسلامية ممثلة في آية الله الخميني، الذي حسم النقاش في اتجاه نظام الجمهورية الإسلامية، الذي حاول التوفيق بين بُعدين:

•⁠ ⁠تمثيل الإرادة الشعبية في مؤسسات منتخبة، وتداول بين التيارين المحافظ والإصلاحي، ومجلس شورى تعددي، ورئيس جمهورية يقود السلطة التنفيذية، وفصل بين السلطات… إلخ
•⁠ ⁠حارس أعلى لقيم الثورة الإسلامية لا يتدخل إلا إذا كان هناك ما يهدد القيم العليا: الطابع الإسلامي للمجتمع، مواجهة المشروع الإمبريالي، الانحياز للقضية الفلسطينية وعدم التطبيع

ومن هذا المنطلق كانت تجربة الجمهورية الإسلامية محاولة تاريخية لتطبيق “ديمقراطية إسلامية”، تضمن استقلال القرار، والالتزام تجاه قضية الأمة، وحماية المجتمع من الاختراقات الغربية (الفردانية/الإلحاد/المثلية…).

وقد كانت هذه أيضًا منطلقات تجارب أخرى في مناطق أخرى من العالم، من قبيل تجربة فنزويلا البوليفارية، خصوصًا في جانب الاعتراض على النزعة الإمبريالية للغرب، مع الحفاظ على قيم الديمقراطية (الحريات/الفصل بين السلطات… إلخ).

ويُشار أيضًا إلى أن تجربة “الجمهورية الإسلامية” في إيران، وإن كانت تبدو في ظاهرها اجتهادًا من داخل الفكر السياسي الشيعي (ولاية الفقيه)، فإن الثابت لدى كثير من الباحثين أنها تجربة لم تخلُ من تأثر بالفكر السياسي السني، ممثلًا أساسًا في أفكار سيد قطب وأبي الأعلى المودودي؛ فقد كان وعي “التمايز عن الغرب” مشتركًا إسلاميًا، عابرًا للاختلاف المذهبي غالبًا.

لكن يبدو أن الموقف من الجمهورية الإسلامية في إيران، التي استقبلت ثورات الربيع العربي في بدايتها باعتبارها امتدادًا للثورة الإيرانية، قد تأثر بما يلي:

•⁠ ⁠البعد المذهبي أو الخلاف السني/الشيعي، الذي لعبت أطراف إقليمية ودولية على إذكائه لاعتبارات لا علاقة لها بالخلاف نفسه
•⁠ ⁠الصراعات السياسية على الصعيد القطري، وتباين المواقف إزاء بعض الحوادث الكبرى من قبيل الثورة السورية
•⁠ ⁠مخلّفات الحرب العراقية–الإيرانية، التي صاحبتها بروباغندا عدائية للثورة الإسلامية لم يتخلص منها العقل الجمعي العربي إلى اليوم

غير أن هذا الحال لا يجب أن يحجب حقيقة أساسية، وهي أن مشكلة الغرب مع إيران الإسلامية لا تتمثل في ديمقراطيتها من عدمها، بقدر ما تنصب على مسألة سيادتها على قرارها وموقفها من فلسطين.

وهو أمر ستواجهه جميع القوى الرافضة للإمبريالية الغربية وللتطبيع مع كيان الاغتصاب، حتى ولو كان وصولها إلى السلطة قد جرى في سياقات “ديمقراطية” بالمقاييس الغربية، كما جرى في مصر أو تونس أو سواهما، وكما هو حال ديمقراطيات أخرى في العالم الإسلامي وضعت لنفسها خطوطًا حمراء لا تتجاوزها، خصوصًا عندما يتصل الأمر بالقضية الفلسطينية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى