مقالات وآراء

حسن نافعة يكتب : تأملات في ميثاق مجلس ترامب للسلام الأميركي!

إسقاط النظام الإيراني يحقق أحلام “إسرائيل” والولايات المتحدة في الوقت نفسه. فهو يحقق أحلام “إسرائيل” لأنه يفتح أمامها طريقاً واسعاً لاستئصال جميع حركات المقاومة في المنطقة.

كراهية دونالد ترامب للمؤسسات الدولية بصفة عامة وللأمم المتحدة بصفة خاصة لا تحتاج إلى دليل. ولأن ترامب يرى العالم بعيون أميركية خالصة، فقد تولدت لديه قناعة راسخة بأن الولايات المتحدة هي وحدها الأقوى والأرقى والمؤهلة طبيعياً لا لقيادة العالم فحسب، وإنما للهيمنة عليه أيضاً، ما يضع الجميع في مواجهة إدارة أميركية عاجزة عن إدراك قيمة وأهمية بناء المؤسسات في النظام الدولي، وهي عملية ترتكز بطبيعتها على مبدأ الشراكة لا الهيمنة، وتتمحور حول قاعدة المساواة السيادية في الحقوق والواجبات، لا حول موازين وعلاقات القوة السائدة في النظام الدولي.

صحيح أن هذا النمط من التفكير الاستعلائي لا يقتصر على الرئيس ترامب وحده، لأنه شائع وعميق الجذور في الثقافة وفي التاريخ الأميركيين، غير أنه بلغ في عهد ترامب آفاقاً غير مسبوقة، تكشفت بوضوح في سياق الإعلان في مؤتمر دافوس عن ولادة منظمة دولية جديدة تحمل اسم “مجلس السلام” بطريقة تتنافى مع أبسط القواعد المستقرة في القانون الدولي.

لإقامة منظمات حكومية دولية تتمتع حقاً بالشخصية القانوينة، ينبغي أن تتبع عند تأسيسها خطوات إجرائية محددة، يوضحها القانون الدولي على النحو التالي:

1- مشاورات أولية حول أهداف ومبادئ المنظمة المطلوب تأسيسها، قواعد وآليات صنع القرار في أجهزتها وفروعها المختلفة، شروط اكتساب وفقدان العضوية، تمويل الأنشطة..الخ، تتواصل إلى أن يتم الاتفاق على مسودة أولية للنظام الأساسي للمنظمة قابل للطرح والمناقشة في المؤتمر التأسيسي.

2- دعوة تُوجَّه للدول الراغبة في المشاركة في مؤتمر تأسيسي يُعقد لمناقشة وإقرار الصيغة النهائية لمعاهدة دولية يتم التوقيع عليها بالأحرف الأولى.

3- مناقشته وإقرار المعاهدة الدولية المنشأة للمنظمة في البرلمانات الوطنية للدول الراغبة في أن تكون من بين الدول المؤسسة.

4- إرسال أوراق التصديق إلى الجهة التي وقع عليها الاختيار لتكون مقراً دائماً للمنظمة.

5- دخول المعاهدة حيز التنفيذ بمجرد توافر العدد المطلوب من التصديقات، وعندها يصبح للمنظمة وجود فعلي على أرض الواقع كهيئة دولية تتمتع بالشخصية القانونية.

لم تؤسس الهيئة التي ظهرت إلى حيز الوجود تحت مسمى “مجلس السلام” وفق القواعد والخطوات سالفة الذكر. فميثاقها وضعته إدارة ترامب ولم يناقَش مسبقاً مع أي طرف، وترامب هو الذي اختار بنفسه الدول المرشحة لعضويتها، والدعوة التي وجهت إليها كانت لحضور “حفل التوقيع” على الميثاق لا لمناقشته وإقراره، وهو الذي نصّب نفسه رئيساً يجمع في يده السلطات والصلاحيات كافة، وهو وضعٌ يثير ملاحظات عديدة يمكن إجمالها على النحو التالي:

الملاحظة الأولى: تتعلق بملابسات النشأة. فمصطلح “مجلس السلام” ظهر لأول مرة في “خطة ترامب الشاملة لإنهاء النزاع في غزة”، التي أعلنها بنفسه في الـ29 من أيلول/سبتمبر الماضي، باعتباره الجهاز المسؤول عن الإشراف على تنفيذها.

صحيح أن مجلس الأمن أقر الخطة بعد أن قام ترامب بعرضها عليه، غير أن القرار الصادر عنه (الرقم 2803 بتاريخ 17/11/2025) عرّف “مجلس السلام” المُشار إليه في الخطة بأنه “هيئة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية تتولى وضع إطار العمل وتنسيق التمويل لإعادة تنمية غزة وفقاً للخطة الشاملة، وبما يتسق مع مبادئ القانون الدولي ذات الصلة، ريثما تستكمل السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي”.

ويُفهم من هذا النص أنه كيان مؤقت، وليس منظمة دولية دائمة، وأن صلاحياته تقتصر حصراً على أمور تتعلق بقطاع غزة. أما الميثاق الذي تم التوقيع عليه في دافوس فيتضمن النص التالي: “مجلس السلام منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء الحكم الرشيد والقانوني، وضمان السلام الدائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالنزاعات”، من دون أن يشير ولو بكلمة واحدة إلى غزة، ما يعني أنه سيتعامل مع الأزمات الدولية التي يختارها كافة، بما في ذلك غزة والقضية الفلسطينية بطبيعة الحال، ما ينطوي على خلط خطير ومتعمد للأوراق ويشكل انتهاكاً واضحاً وصارخاً لقرار مجلس الأمن الرقم 2803.

الملاحظة الثانية: تتعلق بسلطات ترامب وصلاحياته الشخصية، وتشمل: رئاسة مجلس السلام لفترة زمنية مفتوحة وتعيين من يخلفه، اختيار الدول المرشحة لعضويته ودعوتها لحضور اجتماعاته وتجديد وإنهاء العضوية، حق حصري في الاعتراض على قرارات المجلس وفي اتخاذ جميع القرارات المتعلقة بإنشاء وتعديل وحل الأجهزة والفروع المنبثقة عنه كافة، تشكيل اللجان وتحديد مهامها وطرق العمل بها، تعيين وعزل أعضاء المجلس التنفيذي. ويؤكد ذلك كله أن “مجلس السلام” الذي وُلد في دافوس صُمّم ليكون منظمة دولية على مقاس ترامب شخصياً، فلا وجود لمنظمة دولية بهذه المواصفات في العالم المعاصر، بل في تاريخ التنظيم الدولي.

الملاحظة الثالثة: تتعلق بحقيقة الأهداف المبتغاة. يرى كثيرون أن ترامب يسعى لخلق منظمة بديلة للأمم المتحدة، لكنني لا أتفق مطلقاً مع هذا التحليل. فترامب لا يريد الانسحاب من الأمم المتحدة لأن وجودها لا يشكل أي خطورة عليه، إذ يستطيع منع أهم فرع فيها وهو مجلس الأمن من إصدار أي قرار لا يرضى عنه، كون الولايات المتحدة عضواً دائماً فيه وله حق الفيتو. ولأنه لا يستطيع حمل مجلس الأمن على اتخاذ جميع القرارات التي يريدها، لأن المجلس يضم أعضاء آخرين لهم حق الفيتو أيضاً، فقد أصبح الخيار الوحيد المتاح أمامه هو إنشاء منظمة موازية يسهل عليه التحكم في قرارتها وتكون أداة فعالة لتنفيذ أهدافه، فكان “مجلس السلام”.

في تقديري أن التفسير الوحيد لإنشاء منظمة دولية موازية، وبالسمات الفريدة التي سبقت الإشارة إليها، تنحصر في رغبة ترامب في استغلال حاجة بعض الأنظمة العربية والإسلامية الماسّة لوضع حد للحرب في غزة بما يتناسب مع رؤيته الاستراتيجية لما ينبغي أن تفضي إليه التحولات الجارية في منطقة الشرق الأوسط وفي النظام الدولي ككل.

ولأنه يعي جيداً أن لدى هذه الأنظمة قناعة تامة بأنه الوحيد القادر على وقف حرب إبادة جماعية تشكل وصمة عار على جبين البشرية، يبدو لي أنه يسعى لتحويل اللحظة إلى فرصة لإحداث اختراق يتيح له تبني استراتيجية أميركية إسرائيلية مشتركة قابلة للتبنّي من جانب دول عربية وإسلامية مؤثرة.

وإذا صح هذا الاستنتاج، فربما يكون من الأنسب أن نطلق على المنظمة الدولية التي وُلدت في مؤتمر دافوس لعام 2026 اسم “مجلس ترامب للسلام الأميركي”. فمن الواضح أن الهدف الرئيسي من خطوة كهذه هو بناء تحالف أميركي إسرائيلي شرق أوسطي، يصلح للاستخدام كمظلة دولية لتسوية دائمة للصراع في الشرق الأوسط، ولكن بالطريقة التي تتناسب مع استراتيجية مصممة لحسم المنافسة على قيادة نظام عالمي جديد ترجح فيه كفة المصالح الأميركية.

يدرك ترامب جيداً أنه لم يتبقَّ على نهاية فترة ولايته الثانية سوى ثلاث سنوات، يتعين عليه أن ينجز خلالها هدفه الاستراتيجي في “جعل الولايات المتحدة عظيمة مرة أخرى” وهو ما لن يتحقق إلا باستعادة الهيمنة المنفردة على النظام الدولي. ولأنه يضع على رأس أولوياته تحقيق طموحات صديقه نتنياهو، الذي يؤمن بأن مستقبل “إسرائيل” مرهون باستئصال جميع حركات المقاومة في منطقة الشرق الأوسط، يبدو لي أن حرصه على تحقيق التناغم التام بين استراتيجية إسرائيلية تسعى لإقامة “إسرائيل الكبرى” في منطقة الشرق الأوسط وبين استراتيجيته الرامية إلى استعادة الهيمنة الأميركية على النظام العالمي كان الدافع الأساسي وراء إنشاء منظمة دولية بمواصفات “ترامبية”، إذا جاز التعبير.

فمن الصعب تصوّر وجود مؤسسة دولية يسيطر فيها ترامب بشخصه على جميع خيوط وآليات صنع القرار، وتضم في عضويتها، إلى جانب “إسرائيل”، كلاً من باكستان وتركيا والسعودية ومصر والأردن وقطر والإمارات، إلا إذا كان هدفها الرئيسي دمج الرؤيتين الإسرائيلية والأميركية لكيفية الاستفادة من التحولات الجارية في المنطقة وفي العالم، في رؤية استراتيجة موحدة محورها إسقاط النظام الإيراني، من ناحية، وفرض تسوية للصراع في المنطقة بالشروط الأميركية الإسرائيلية المشتركة، من ناحية أخرى.

إسقاط النظام الإيراني يحقق أحلام “إسرائيل” والولايات المتحدة في الوقت نفسه. فهو يحقق أحلام “إسرائيل” لأنه يفتح أمامها طريقاً واسعاً لاستئصال جميع حركات المقاومة في المنطقة، والسيطرة على مناطق حدودية شاسعة، خصوصاً في سوريا ولبنان، وضم معظم أنحاء الضفة الغربية، في وقت يجري فيه العمل على قدم وساق لتحويل غزة إلى “ريفييرا شرق أوسطية”، ولتوسيع عملية إدماج “إسرائيل” في المنطقة، في الوقت نفسه.

وهو يحقق أحلام الولايات المتحدة، لأنه يحرم روسيا والصين من أهم حليف لهما في المنطقة، ويفتح أمامها طريقاً للسيطرة على ثروات النفط والغاز في منطقة الخليج والتحكم في طرق الإمداد والتموين في الوقت نفسه، ويوقف تمدد النفوذ الصيني في العالم، بإحياء مشروعات من نوع “الممر الهندي” و “قناة بن غوريون” وغيرها من المشروعات الاستراتيجية ذات الأبعاد الجيوسياسية.

ولأن الأحلام شيء وما يجري على أرض الواقع شيء آخر، فمن المؤكد أن إيران لن تكون لقمة سائغة في فم “إسرائيل” والولايات المتحدة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى