حوارات وتصريحات

د. أيمن نور، رئيس حزب غد الثورة، في الذكرى الـ15 لثورة يناير – حوار خاص: يناير لم تُغلق حسابها بعد، والثورة لم تمت

15 عامًا تمنح مسافة للرؤية لا للبرود في الرؤية. يناير لم تكن يومًا رقمًا في رزنامة، بل شقًّا في جدار الخوف. هذا الشق دخل منه الهواء ثم أُغلق، لكن الأكسجين بقي في رئة التاريخ. التاريخ لا يُقاس بالنتائج السريعة، بل بالأثر الباقي… ويكفي أن يناير حرّرت الحق في السؤال. ومن يحرّر هذا السؤال يربك كل الإجابات الجاهزة، والإجابات اللاحقة.


الجوع وحده لا يصنع ثورة؛ الإهانة تفعل ذلك. انتخابات 2010، وحديث خالد سعيد، كانا الشرارة… بينما التوريث وطول البقاء لمبارك كانا وقود 25 يناير الحقيقي. فحين تتراكم الإهانة تتحول إلى ثورة صامتة، ويصبح استمرار الصمت مشاركة في القهر. الناس خرجت لأنها شعرت أن الكرامة لا يمكن تأجيلها.


يناير طلبت المعنى. طلبت أن يكون للإنسان وزن وقيمة، وأن يكون للكرامة مكان. ومن يطلب المعنى لا يخسر بسهولة حتى لو تعثر في الطريق… لأن الخسارة الحقيقية أن نعيش بلا معنى، وبلا حق حتى في حق السؤال.
ربما لم تسقط الدولة؛ الذي سقط هو وهم الدولة. وهم أن الخوف أبدي، وأن الصمت حكمة… “حكمة فرعونية ومصرية وأبدية قديمة”. الدولة بقيت لكن صورتها تغيّرت—سواء كان هذا التغيير إلى الأفضل أو إلى الأسوأ.


القمة سقطت… لكن الجسد العميق بقي ينتظر ويتحين الفرصة. كانت قوة يناير في وحدتها، وضعفها بدأ حين تفرّق المعنى، وحين صار الخلاف على “من” قبل الاتفاق على “كيف”. يناير تعيش في ذاكرة ووجدان الناس: في المقارنة الصامتة، وفي الأسئلة المؤجلة… والسؤال نفسه دليل أن هذه الثورة ما زالت حية.
الأحداث الكبرى لا تُحاكم بمنطق النجاح والفشل. بل بمنطق ما كشفت عنه، وما الذي تغيّر بعدها إلى الأبد. لم يكن الصراع سياسيًا أو صراع أشخاص، بل صراع تعريف: ما هي الدولة؟ ومن يملكها؟ ومن يضع حدود السلطة؟ وكان أيضًا صراعًا على فكرة الهوية… وحين غاب التعريف المشترك تقدّم الخوف المتبادل على الخيارات التي كانت تقتضي بقاء وحدة الصف.


أخطر ما حدث هو تشويه السياسة. حتى بدأت الفوضى “اسمها البديل أو اسمها الآخر”، وبدأ الصمت يُقدَّم كفضيلة… وهذا أخطر من القمع، لأنه يقتل فكرة المشاركة والاهتمام بالهم العام.


يناير لم تنتصر لأن الطريق أطول من ميدان… ولم تنهزم لأن الفكرة لا تُدفن حيّة. الأفكار قد تتراجع لكنها لا تموت، وهي تعود دائمًا أكثر نضجًا ووضوحًا ووعيًا. يناير لم تفشل… لكنها كشفت حجم المهمة، وأظهرت أن التغيير لا يُدار بالعاطفة فقط. ومن يعلن موت يناير يعرف في داخله أنها لم تمت… لأن الخوف ليس من ماضيها، الخوف من مستقبلها.


الدولة التي تعتمد على القبضة الأمنية قد تربح اليوم لكنها ستخسر الغد. القوة بلا عدل “دين مؤجل السداد لكنه مستحق”، وستدفع مضطرة… غير مختارة. “عادت… لكنها عادت قلقة”، والقلق أول شرخ في أي يقين.


يناير علّمت أن السياسة قيم وأخلاقيات قبل أن تكون حسابات. وأن الإنسان ليس رقمًا في بيان ولا سطرًا في خطاب. الخوف سياسة قصيرة العمر… والصمت لا يصنع أمانًا دائمًا. والسؤال حق لا منحة… والسؤال هو جوهر المسألة.


جيل “زد” أخطر على أي سلطة من الهتاف. ربما لا يهتف كثيرًا ولم يعاصر الميادين، لكنه—للأسف—لا يثق بأحد تقريبًا. جيل يقارن ويشك ويرفض الروايات الجاهزة، ويدرك أن الاستقرار بلا عدل هدنة مؤقتة وليست دائمة، وأن الخبز مهم… لكن الكرامة لا تؤجَّل.


الثورات لا تعود كما بدأت ولا بأسماء قديمة. إن تكررت، ستعود بوعي أشد صلابة. لم يتبقَّ الشعارات… بقيت القدرة على السؤال دون استئذان. السياسة لا تموت—قد تغيّر جلدها، وقد تنتظر لحظة أقل صخبًا وأكثر عمقًا وصدقًا. والتغيير سنة الحياة… لكن لا شيء حتمي في السياسة: الاستمرار ممكن لكنه مرهق، والإصلاح إن سبق الانفجار كان أقل كلفة على الجميع.


وبشأن مؤشرات 2026 عالميًا… يرى د. أيمن نور أن العالم في دوائر تغيّر واسعة، وقد تمتد آثارها إلى النظام الدولي كله، متوقفًا عند الولايات المتحدة ذاتها، واحتمال مفاجآت “عنيفة ودراماتيكية” للرئيس دونالد ترامب، خصوصًا بعد انتخابات الكونجرس في نوفمبر 2026، حيث يتوقع كثيرون فوزًا واسعًا للديمقراطيين قد يفتح سيناريوهات شديدة الخطورة، بينها التفكير في طلب عزل الرئيس، بما قد ينعكس على الاستقرار الدولي في عالم لا يحتمل صدامات كبرى.


رسالة إلى الشهداء وسجناء الرأي: أنتم ذاكرة الطريق وبوصلة الضمير. الحرية قد تتأخر لكنها لا تُمحى، والعدالة قد تُرهق لكنها لا تموت. ورسالة إلى الشعب المصري: الكرامة ليست هدية بل مسار طويل من الصبر والعمل… “15 عامًا مرت ولم ينطفئ الحلم”، بل تعلم أن يسير بعقل أهدأ وقلب أشجع. من طلب الحرية لم يخطئ، ومن تمسك بالأمل لم ولن يُهزم.


رسالة إلى المعارضة في الداخل والخارج: أنتم جناحان لقضية واحدة. لا ينفصلان ولا يتنازعان. “فلنفتح الأبواب والنوافذ فيما بيننا”، ولن كسر حواجز الماضي ورواسب الخلافات… فالقرب البيني بوصلة للنجاة، والقطيعة ضياع.


رسالة إلى الدولة: القوة التي يحميها القانون أغنى وأقوى من قوة يحرسها الخوف. الدولة الرشيدة تنظّم السياسة ولا تخاصمها، ولا تعتبر النقد خيانة أو تهديدًا، بل “صيانة للمستقبل”. والاستقرار الدائم ابن العدالة لا رهينة لصمت مطلوب. ولمن بيده القرار: الإصلاح إنقاذ… وفتح المجال العام ثقة محسوبة في المجتمع والوطن.


إلى الجيش والشرطة والإعلام: الدولة ليست السلطة. الجيش “درع الوطن وسنده” حين يكون للوطن وفوق الخلافات، ومكانته في ثقة الشعب لا في الصمت المفروض. والشرطة تُستكمل هيبتها بالعدل وخضوع الجميع للقانون. والإعلام “الكلمة والأمانة”، والحقيقة حين تُقال بميزان تصبح جسرًا… وحين تُحرَّف تصبح خندقًا.


إلى الإقليم والمجتمع الدولي: احترام بلا وصاية. لا منا ولا منهم. الاستقرار الحقيقي يُبنى بالشراكة وبالسيادة المتكافئة وبالتعاون العادل. وسلام يحترم الإرادة، وسلام عادل يفتح صفحة جديدة أساسها احترام الحقوق والعهود والمواثيق الدولية.


وفي النهاية… يوجّه د. أيمن نور نداءه إلى “شركاء وفُرقاء يناير”: الاختلاف حين يُدار بحكمة يصبح قوة، وحين يُدار بخوف يتحول إلى جدار عازل. والمواطنة المتساوية طريق جامع… ووطن يتسع للجميع أقوى من وطن يضيق ببعضه البعض.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى