شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه نسائية لا تغيب – جميلة بوحيرد… الجسد وطنًا

كان الجسد عندها خريطةً مكتوبة بالألم، لا تُقرأ بالحبر بل بالذاكرة. كل أثرٍ فيه شهادة، وكل صمتٍ مقاومة مؤجَّلة. لم تكن جميلة بوحيرد تبحث عن بطولة، لكنها وُضعت في امتحانٍ لا يسمح بالحياد، امتحانٍ يطالب الإنسان أن يختار بين أن يحيا منقوصًا أو يقف كاملًا مهما كان الثمن.

وُلدت جميلة بوحيرد عام 1935 في الجزائر، في زمنٍ كان الاستعمار فيه لا يكتفي بالأرض، بل يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي. الطفولة هناك لم تكن مرحلة لعب، بل تدريبًا مبكرًا على الخوف، وعلى التمييز، وعلى الإحساس بأن الاسم واللغة والجسد قد تتحوّل إلى تهمة.

دخلت المدارس الفرنسية وتعلّمت بلغة الآخر، فكان الوعي يتشكّل على مفارقة قاسية: معرفة تُقدَّم بلسانٍ لا يشبهك، وتاريخ يُروى من زاويةٍ لا تراك. من هذا التناقض خرج السؤال الأول الذي لن يفارقها: لماذا ندرس تاريخهم ونصمت عن تاريخنا؟ ولماذا يُطلب منا أن نكون “مؤدّبين” أكثر مما يُطلب منا أن نكون أحرارًا؟

حين اندلعت ثورة التحرير عام 1954، لم تحتج جميلة إلى خطابةٍ طويلة لتحدّد موقعها. كان القرار داخليًا، صامتًا، حاسمًا. لم تكن خطيبة ولا منظّرة، بل فتاة عادية في ملامحها، استثنائية في استعدادها للتضحية. انضمّت إلى صفوف المقاومة، وأدّت أدوارًا تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها خطيرة في معناها.

نقلت الرسائل، راقبت التحركات، عبرت الشوارع وهي تعرف أن كل خطوة قد تكون الأخيرة. الخوف كان حاضرًا، لكنه لم يكن القائد. كانت تعرف أن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل القدرة على السير معه دون أن يحكم القرار.

في عام 1957 جاء الاعتقال، ودخلت الحكاية منعطفها الأكثر قسوة. لم يكن السجن نهاية الدور، بل بدايته الوحشية. تعرّضت لتعذيبٍ جسدي ونفسي شديد: صعق بالكهرباء، ضرب، إهانات، ومحاولات كسرٍ منهجي للإرادة. الهدف كان واضحًا: انتزاع الاعتراف، وتحويل الجسد المقاوم إلى رسالة ترهيب.

لكن ما لم يفهمه الجلادون أن الجسد، حين يصبح ساحة وطن، يكتسب معنى آخر. لم تكن جميلة صخرةً بلا إحساس؛ كانت تتألم وتخاف وتنهار لحظات، ثم تعود لتتمسّك بخيطٍ رفيع اسمه الكرامة. ذلك الخيط — لا الأسطورة — هو ما أنقذها من السقوط الكامل.

صدر حكم الإعدام، فخرج الاسم من الزنزانة إلى العالم. تحرّكت حملات تضامن، وكتب مفكّرون وصحفيون عن قضيتها، وصار الجسد المعذّب عنوانًا لضميرٍ عالمي. تحت هذا الضغط، خُفِّف الحكم، وبقيت جميلة في السجن حتى نالت الجزائر استقلالها عام 1962.

خرجت من السجن بجسدٍ مُنهك وروحٍ محمّلة بما لا يُقال. خرجت إلى وطنٍ حرّ، لكن الحرية لا تمسح الندوب. هنا تبدأ حكاية أخرى، أقل ضجيجًا وأكثر قسوة: حكاية ما بعد البطولة، حين يتحوّل الرمز إلى صورة، والصورة إلى قيد جديد.

بعد الاستقلال، وُضعت جميلة تحت أضواء لا ترحم. كان يُطلب منها أن تظلّ ثابتة في الصورة، وأن تؤدي دور الرمز بلا تردّد. لكنها كانت تريد أن تعيش إنسانة، لا ملصقًا. اختارت الابتعاد عن الأضواء، لا هروبًا، بل حفاظًا على المعنى من الاستهلاك.

تزوّجت من جاك فيرجيس الذي دافع عنها في محاكم الاستعمار، فأثار القرار جدلًا واسعًا. لم تكن الحكاية خيانة للذاكرة، بل محاولة حياة بعد حرب. غير أن الأبيض والأسود كانا أسهل على العيون من فهم الرمادي الإنساني.

الفارق بين بطولة الزنزانة وقسوة ما بعدها أن الأولى عدوّها واضح، والثانية عدوّها ملتبس. في الزنزانة تعرف من يواجهك؛ بعد التحرير تُواجه الصورة والتوقّع والذاكرة. هذا الامتحان هو الأثقل، وهو ما اجتازته جميلة بلا ادّعاء.

لم تكن جميلة بوحيرد قدّيسة ولا تطلب ذلك. كانت امرأة عاشت أقصى ما يمكن للجسد أن يحتمله، ثم حاولت أن تعيش بعده. وفي هذه المحاولة وحدها بطولة أخرى: بطولة الصمت حين يكون الكلام استهلاكًا، وبطولة الابتعاد حين يكون القرب تشييئًا.

بعض الأجساد تتحوّل إلى أوطان حين تُهان، وبعض الأوطان تحتاج إلى أجسادٍ تقول “لا” كي تبقى. وجميلة بوحيرد كانت واحدة من هؤلاء اللواتي حملن الوطن في الجسد، ثم حاولن أن يحملن الجسد بعد أن هدأت المعركة.

هكذا بقيت جميلة بوحيرد وجهًا لا يغيب، لا لأنها صمدت تحت التعذيب فقط، بل لأنها حافظت على إنسانيتها بعد أن انتهى التصفيق، وتركت للذاكرة أن تكون عادلة بقدر ما تستطيع.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى