
شجاعة العِلم حين يصبح موقفا
ليس كل من امتلك المعرفة امتلك الشجاعة، وليس كل من رفع صوته قال الحقيقة. هناك من اختار طريقًا أصعب: أن يجعل من العِلم موقفًا، ومن الصمت شجاعة، ومن الاتساق الأخلاقي لغة لا تحتاج إلى ترجمة. الشافعي بشير كان من هذه القلّة.
لم يدخل المجال العام من بوابة السياسة، بل من بابها الأصعب: باب العقل. عرفته عالمًا قبل أن أعرفه صاحب رأي، ومعلّمًا قبل أن أعرفه ناقدًا. كان يرى أن الفكرة إذا لم تُختبَر أخلاقيًا، لا تستحق أن تُقال، وأن المعرفة التي لا تحمي الإنسان قد تنقلب عليه.
في زمنٍ ازدحمت فيه المنابر بالخطابة، اختار نبرة هادئة لا تستجدي التصفيق. لم يُغره الحضور الدائم، ولم يرهقه الغياب المؤقّت. كان يعرف أن الفكرة الجيدة لا تحتاج إلى ميكروفون عالٍ، وأن الكلمة الصادقة تعيش أطول حين تُقال في وقتها، لا حين تُستدعى للاستعراض.
تعلّمنا منه أن العِلم ليس حيادًا. وأن الوقوف على مسافة واحدة من الظلم والعدل ليس إنصافًا، بل تخلٍّ مقنّع. لذلك، حين كان يتكلم، كان كلامه محسوبًا بميزان دقيق: لا يُخاصم المجتمع باسم التنوير، ولا يُهادن السلطة باسم الواقعية.
كان شديد الانحياز للإنسان، لا للشعارات. يرى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من بناء الوعي، لا من كسر الناس. وأن السياسة حين تُدار بعقلٍ بلا أخلاق، تُنتج عنفًا ناعمًا أشد فتكًا من القسوة الصريحة.
لم يكن من هواة الاشتباك اليومي، لكنه لم يكن بعيدًا عن المعنى. يعرف متى يقترب، ومتى يبتعد، ومتى يترك للصمت أن يؤدي دوره الكامل. ذلك الصمت لم يكن عجزًا، بل اختيارًا واعيًا في لحظات كان الكلام فيها رخيصًا.
في علاقته بالأجيال الجديدة، لم يكن أستاذ منصة، بل معلّم مسار. يفتح الأسئلة ولا يُغلقها، يوسّع الأفق ولا يفرض الخاتمة. كان يؤمن أن دور المعلّم ليس أن يورّث اليقين، بل أن يعلّم الشكّ النبيل.
وحين احتدمت الاستقطابات، واشتدّ الاستسهال، وباتت الحقيقة ضحية السرعة، ظلّ وفيًّا لبطء العِلم. لا يساوم على الدقة، ولا يُخفّف المعنى ليُرضي جمهورًا عابرًا. كان يرى أن الشعبية التي تُشترى بالتبسيط المُخلّ تُفقر العقول.
لم يتعامل مع الدولة بوصفها خصمًا دائمًا، ولا مع المجتمع بوصفه قاصرًا. كان يطلب من الأولى أن تتعقّل، ومن الثاني أن يفكّر. تلك المسافة الذكية هي التي حفظت له احترام المختلفين قبل المتفقين.
في حضوره، لا تجد استعلاءً معرفيًا، ولا وصاية أخلاقية. تجد هدوءًا يُشبه الثقة، ونبرة تُطمئن السائل قبل أن تُقنعه. كان يعرف أن الحقيقة إذا قيلت بقسوة، انكسرت، وإذا قيلت بحنان، عاشت.
لم يسعَ إلى منصب، ولم يطلب وجاهة. ترك أثره في العقول لا في الكراسي. بعض الرجال يملأون المقاعد، وقليلون يملأون المعنى. وكان الشافعي بشير من الصنف الثاني.
حين تراجعت القيم في المجال العام، لم يتحوّل إلى واعظ، ولم ينزلق إلى السخرية. بقي حيث يجب أن يكون: في المنتصف الأخلاقي، حيث تُصان الفكرة من التسييس، ويُصان الإنسان من التشييء.
هذه ليست سيرة علمية، ولا شهادة تقدير، بل قراءة في مسار رجلٍ آمن أن العِلم إذا انفصل عن الضمير صار عبئًا، وأن الصمت إذا اختير في اللحظة الصحيحة يصبح أبلغ من خطاب.
وجوه لا تغيب…
لأن بعض العقول لم تلمع في العناوين،
لكنها أنارت الطريق.
ولأن الصمت، حين يكون معرفة،
يصير شجاعةً كاملة.







