د. أيمن نور يكتب: قراءة أمريكية صادمة للدور الإماراتي اتهامات بتسريب معلومات خطيرة لروسيا

السياسة الأمريكية الحقيقية لا تُكتب في البيانات المشتركة، ولا تُقال في لقاءات الرؤساء، بل تظهر في التحليلات التي تخاطب متخذي القرار الأمريكي .
ففي مثل هذه التقارير تُراجع واشنطن تحالفاتها بعيدًا عن المجاملة. من هذا الباب جاء التقرير اللافت الذي نشرته صحيفة Washington Examiner، وهي صحيفة أمريكية محافظة تصدر من واشنطن، وتحظى بمتابعة وتأثير داخل دوائر الكونغرس والمؤسسة الأمنية، وتُعرف بقربها من التيار الجمهوري وبمقارباتها الصلبة لقضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية.
التقرير نُشر ضمن تغطيات حديثة للصحيفة حول المشهد الجيوسياسي المتحوّل في الشرق الأوسط، ولم يأتِ في سياق خصومة أو هجوم سياسي، بل في إطار مراجعة هادئة ـ لكنها قاسية في مضمونها ـ لسلوك حليف يُفترض أنه استراتيجي. السؤال المركزي الذي يطرحه النص الأمريكي بوضوح: هل ما زالت الإمارات العربية المتحدة شريكًا موثوقًا للولايات المتحدة؟
القراءة الأمريكية تعتبر أن أبوظبي تعاملت لسنوات طويلة مع ملف “مكافحة الإرهاب” بوصفه رصيدًا سياسيًا مفتوحًا، أو تفويضًا غير معلن، يتيح لها حرية الحركة في ملفات أخرى حتى لو تعارضت تلك التحركات مع المصالح الأمريكية المباشرة. هنا لا يتحدث التقرير عن اختلاف في الرأي، بل عن نمط سلوك تراكمي.
أحد أخطر مواضع القلق في التقرير يتمثل في توصيف مستوى التقارب الإماراتي مع الصين. فوفق القراءة الأمريكية، لم يعد الأمر محصورًا في شراكات اقتصادية، بل تجاوزها إلى تموضع استراتيجي في لحظة تاريخية تخوض فيها واشنطن صراعًا مفتوحًا مع بكين. الجمع بين القرب من الخصم الأول والحصول على امتيازات الحليف المميز بات، في نظر واشنطن، معادلة غير مقبولة.
الأخطر من التحليل السياسي هو ما أورده التقرير من اتهامات أمنية مباشرة. إذ تنقل الصحيفة عن ثلاثة مصادر أمريكية حالية وسابقة داخل الحكومة الأمريكية اشتباهًا في أن الإمارات قد تكون زوّدت روسيا بمعلومات تتعلق بهويات عناصر من الاستخبارات الأمريكية. هذا الاتهام، إن صحّ، لا يُصنَّف كخلاف سياسي، بل كاختراق أمني يمس جوهر الثقة بين الحلفاء.
التقرير لا يتوقف عند هذا الحد، بل يقدّم توصيفًا بالغ القسوة حين يشير إلى أن الإمارات باتت تُعد ملاذًا دوليًا للجريمة المنظمة، وبيئة آمنة لبعض المسؤولين المتورطين في قضايا فساد، في تناقض صارخ مع الصورة التي يجري تسويقها دوليًا بوصفها نموذجًا للاستقرار والحوكمة.
إقليميًا، يتهم التقرير أبوظبي بدعم جماعات موصوفة بالمزعزِعة للاستقرار في كل من السودان واليمن، في صياغة أمريكية دقيقة تعني تحميل الإمارات مسؤولية مباشرة عن تعقيد الأزمات بدل الإسهام في احتوائها.
أهمية هذا التقرير لا تنبع فقط من مضمونه، بل من توقيته وسياقه السياسي. نحن أمام نص حديث، صدر في لحظة تعيد فيها الولايات المتحدة تقييم تحالفاتها في الشرق الأوسط، في ظل حرب أوكرانيا، وتصاعد الصراع مع الصين، وتفكك منظومات الاستقرار الإقليمي.
ما بين السطور، تحمل هذه القراءة رسالة واضحة: التحالفات لم تعد دائمة، والامتيازات ليست أبدية، والثقة ـ حين تهتز ـ تصبح موضوع مراجعة علنية داخل مراكز القرار.
هذه ليست لغة خصومة، بل لغة إنذار سياسي مبكر، صادرة من الداخل الأمريكي نفسه، وتستحق أن تُقرأ بعمق، لا بوصفها هجومًا، بل باعتبارها مؤشرًا على تحولات أوسع في تعريف الشراكات والاصطفافات في المنطقة.







