شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب : وجوه لا تغيب … عمار الشريعي

تشابه صوتي بصوته…
واحتل قلبي حبه

غواصًا ماهرًا في بحر النغم،
يعرف أين يضع قدمه،
وأين يترك للصمت أن يقول ما تعجز عنه الآلات.

سنوات طويلة، في زمن ما قبل الهواتف المحمولة والشاشات الذكية، كان الصوت وحده هو بطاقة التعارف. كنتُ إذا اتصلت هاتفيًا بأحد الكبار، يبادلني التحية قائلًا: أهلًا يا عمار.
لم يكن خطأً فرديًا، بل أمرًا متكررًا بسبب تشابهٍ في نبرة الصوت عبر أسلاك التليفون.
لم أكن قد التقيته بعد،
لكن الأقدار كانت تُهيّئ لقاءً من بابٍ جانبي…
باب سيارة.

في منتصف الثمانينيات، أعلنتُ في الأهرام عن بيع سيارة فورد موستنج. وكان مكتبي يومها في واحد شارع أمريكا اللاتينية، أعلى حلواني لابوار، وأمام السفارة البريطانية.
رنّ الهاتف، الموضوع في الإعلان، وكان على الطرف الآخر صوتٌ أعرفه دون أن أعرف صاحبه. سأل عن السيارة، تفاصيلها، حالتها. انتبهت للتشابه، وسألته ضاحكًا: هل حضرتك الفنان الكبير عمار الشريعي؟
فردّ بسؤالٍ: وهل أنت أيمن نور؟
ضحكنا.
اكتشفنا أن ما يحدث معي يحدث معه أيضًا.
كان البعض يقول له: أهلًا يا أيمن،
كما كانوا يقولون لي: أهلًا يا عمار.

التقينا بسبب السيارة،
لكن تكررت اللقاءات. كانت لقاءات قليلة في عددها،
لكنها عميقة في أثرها في نفسي.
كنت في كل مرة أكتشف أن التشابه لم يكن في الصوت فقط،
بل في شيء أعمق:
الإنسانية الهادئة، التي لا تستعرض نفسها.

عمار كان كتلة موهبة، نعم،
لكن الأهم أنه كان كتلة إنسانية.
يحب الناس دون شروط،
ويحب الفن دون تعالٍ،
ويتحدث عن الموسيقى
كمن يتحدث عن صديق عزيز.

ألحانه لم تكن مجرد موسيقى تصويرية،
بل ذاكرة جمعية لأمة أُصيبت في ذاكرتها.
من «رأفت الهجان» حيث صار اللحن وطنًا سريًا،
إلى «ليالي الحلمية» حيث تحوّل النغم إلى سيرة شعب،
إلى «الراية البيضا»، و«زيزينيا»، و«المال والبنون»،
كانت موسيقاه تقول ما تعجز الشخصيات عن قوله.

كل مصري يعرف هذا الإحساس:
يسمع لحنًا لعمار الشريعي،
فتشعر أنك عدت إلى بيتك،
حتى لو كنت بعيدًا.

لكنه لم يكن أسير النوستالجيا،
ولا حبيس الأستوديو.
في ثورة يناير، لحظات فارقة حين اختلط الضجيج بالحقيقة،
وارتفعت فيها أصوات التحريض على المتظاهرين أعلى من صوت العقل،
خرج صوت عمار الشريعي هادئًا، واضحًا، منحازًا للإنسان.

في مداخلته الهاتفية،
طالب فقط بما هو أبسط وأصعب معًا:
أن يتوقف الهجوم على المتظاهرين،
أن تتوقف حملات التشويه،
أن يُترك الميدان لأصحابه…
لأحلامهم، وأملهم.

كان بإمكانه أن يصمت،
وكان بإمكانه أن يختبئ كغيره،
لكنه اختار الطريق الأصعب:
أن يثبت أن الفن لا يُقيّد صاحبه،
ولا يُلغي الموقف،
وأن الإنسان أكبر من أي أغنية.

نزل إلى ميدان التحرير.
لم يتاجر بالثورة،
ولم يرفع شعارات،
بل وقف حيث يقف القلب لا الحسابات،
وحيث تُختبر الشجاعة بعيدًا عن الأضواء.
وقف ضد التحريض،
وضد الظلم،
وضد تحويل الشباب إلى أعداء في وطنهم.

رحل عنّا بجسده،
وبقيت الذاكرة:
لن ننساك يا عمار.
لن ننسى نغمتك وهي تقول «لا»
حين كان الصمت مريحًا،
ولن ننسى موقفك
حين كان الموقف ثمنه غاليًا.

شكرًا لأنك اخترت الناس.
شكرًا لأنك، حين عزفت، عزفت للحرية.
وشكرًا لأن اسمك، مثل موسيقاك،
باقٍ في الوجدان،
يمشي بيننا،
ولا يغيب.

وجوه لا تغيب…
لأن بعض الأصوات لا تُسمَع بالأذن،
بل بالقلب.
ولأن النغمة،
إذا خرجت من ضمير،
تظلّ تمشي بيننا
حتى بعد أن يسكت العازف.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى