
تشكل عودة الدكتور سيد البدوي إلى بيت الأمة لحظة سياسية فارقة ليس فقط في تاريخ حزب الوفد وإنما في المشهد الحزبي المصري ككل.
فبعد سنوات من الغياب النسبي عن الفعل السياسي المؤثر تأتي انتخابات الوفد الأخيرة لتعلن أن الحزب العريق لم يفقد روحه وأن الوفديين مهما طال صمتهم لم يغادروا بيتهم الأول.
لقد غابت هذه الانتخابات طويلاً عن المشهد الحزبي المصري حتى ظن البعض أن الوهن قد أصاب حزباً كان يوماً مدرسة السياسة الوطنية وضمير الحركة الديمقراطية.
لكن ما جرى في انتخابات الوفد الأخيرة أثبت أن الوفد لا يمرض طويلا وأن جذوته تشتعل كلما نادى الوطن.
لم تكن المعركة الانتخابية داخل الوفد مجرد تنافس على موقع بل كانت اختباراً حقيقياً لقدرة الحزب على استعادة وحدته ولم شمل أبنائه.
أولئك الذين انصرفوا عنه ألماً أو صمتوا حزناًأو آثروا الابتعاد انتظاراً للحظة تعيد إليهم الثقة. واليوم، يعود الوفد للوفديين ويعود الوفديون للوفد.
فوز الدكتور سيد البدوي بفارق 28 صوتاً يحمل دلالة سياسية عميقه فهو يعكس جوهر الديمقراطية الحقيقية داخل حزب يعرف جيداً معنى الاختلاف ويجيد إدارة التعدد لا إقصاءه.
هذا الفارق الضئيل في الأصوات ليس ضعفاً بل هو قمة القوة لأنه يؤكد أن القرار نابع من القاعدةوأن إرادة الوفديين هي الحكم والفيصل.
إن انتخابات الوفد تمثل أحد أروع النماذج للعمل الحزبي المؤسسي في مصرحيث تحترم القواعد وتدار المنافسة بشرف وتبقى وحدة الحزب فوق الأشخاص.
وهو ما يميز الوفد عن غيره ويجعل منه مدرسة تخرج فيها أغلب السياسيين المصريين وتعلموا بين جدرانها معنى الوطنية والعمل العام.
التحدي الحقيقي اليوم أمام الدكتور سيد البدوي ليس في الفوز بل في ما بعد الفوز: جمع كافة الوفديين دون استثناء مد جسور الثقة وفتح أبواب بيت الأمة لكل من غادره قسراً أو اختياراً.
فحزب الوفد لا يكتمل إلا بجميع أبنائه ولا يستعيد دوره إلا عندما يصبح معبرا بصدق عن الوطن والمواطن.
الوفد ليس حزباً عابراً في التاريخ بل هو جزء لا يتجزأ من الوجدان المصري.
يعرفه الطفل في المرحلة الابتدائية من كتب التاريخ ويحفظ الكهل سيرته وتجربته الوطنية ويستحضر الجميع مواقفه في لحظات التحول الكبرى. إنه الحزب الذي ارتبط اسمه بالنضال، والدستور والاستقلال والتمثيل الشعبي الحقيقي
اليوم. ومع هذه العودة تتجدد الآمال في أن يستعيد الوفد مكانته كحزب قوي وطني يعبر عن مصر بكل تنوعها ويشارك بفاعلية في بناء الحياة السياسية دفاعاً عن الدولة المدنية، وحقوق المواطن ومستقبل الوطن.
فالوفد… كان وسيبقى طويلاً في ضمير المصريين.







