مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: تفكيك الميليشيات ودمج المقاتلين في الجيوش النظامية بعد الحروب الأهلية: دراسة مقارنة مع تطبيقات على الحالة السورية

تُعد مسألة تفكيك الميليشيات المسلحة ودمج المقاتلين السابقين في مؤسسات الدولة، ولا سيما الجيوش النظامية، من أكثر القضايا إشكالية في مراحل ما بعد الحروب الأهلية.
فالدولة الخارجة من نزاع داخلي لا تواجه فقط دمارًا ماديًا، بل ترث بنية أمنية مفككة، وتعددًا في مراكز القوة المسلحة، وثقافة سياسية قائمة على العنف. وقد أظهرت تجارب دولية عديدة أن سوء إدارة هذه المرحلة يؤدي غالبًا إلى عودة النزاع أو إلى ترسيخ نموذج الدولة الضعيفة التي تتقاسم فيها السلطة الرسمية قوى مسلحة غير خاضعة للمساءلة. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل عدد من التجارب الدولية في تفكيك الميليشيات ودمجها، وبيان الفروقات الجوهرية بينها، وصولًا إلى استخلاص دروس يمكن تطبيقها على الحالة السورية في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد.

الإطار النظري: برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج
اعتمدت الأمم المتحدة منذ تسعينيات القرن الماضي إطارًا مفاهيميًا يُعرف ببرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) بوصفه أداة مركزية لإدارة التحولات الأمنية في الدول الخارجة من النزاعات المسلحة. يقوم هذا الإطار على فرضية أن إنهاء الحرب لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، بل يتطلب تفكيك البنى العسكرية غير النظامية التي نشأت أثناء النزاع، وإعادة دمج الأفراد الذين حملوا السلاح ضمن مؤسسات الدولة أو المجتمع المدني. وتشدد الأدبيات الأممية على أن DDR لا يمكن أن ينجح بمعزل عن إصلاح أوسع للقطاع الأمني وبناء مؤسسات دولة قادرة على احتكار استخدام القوة بشكل مشروع. وتُظهر دراسات متعددة أن تطبيق DDR بصورة شكلية أو انتقائية غالبًا ما يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يسمح للميليشيات بإعادة تنظيم نفسها تحت مسميات جديدة.

تمثل ليبيريا واحدة من أبرز التجارب التي يُشار إليها غالبًا كنموذج نسبي للنجاح في تفكيك الميليشيات بعد حرب أهلية طويلة.
فبعد أكثر من عقد من الصراع المسلح الذي تميز بتعدد الميليشيات وغياب الدولة، نص اتفاق أكرا للسلام عام 2003 على إعادة بناء القطاع الأمني من الصفر. اتخذت الحكومة الانتقالية، بدعم قوي من بعثة الأمم المتحدة في ليبيريا (UNMIL)، قرارًا جذريًا تمثل في حل الجيش القديم بالكامل، باعتباره جزءًا من المشكلة وليس أداة للحل. جرى نزع سلاح عشرات الآلاف من المقاتلين، وأُخضع الأفراد الراغبون في الانضمام إلى الجيش الجديد لعملية فرز فردية صارمة استندت إلى معايير مهنية وتعليمية، مع استبعاد شبه كامل لقادة الميليشيات من المناصب العسكرية العليا. أسهم هذا النهج في كسر منطق الفصائلية ومنع انتقال هياكل الميليشيات إلى داخل الجيش، وهو ما انعكس لاحقًا في استقرار أمني نسبي واستعادة الدولة لاحتكار العنف المشروع.

في سيراليون، جاءت عملية تفكيك الميليشيات في سياق سياسي مختلف اتسم برغبة قوية في إنهاء الحرب بأي ثمن.
فقد نص اتفاق لوميه للسلام عام 1999 على نزع سلاح المقاتلين وتسريحهم، مع تقديم عفو واسع شمل معظم الجرائم المرتكبة خلال النزاع. لعب الوجود العسكري البريطاني دورًا حاسمًا في إعادة هيكلة الجيش وضمان الأمن خلال المرحلة الانتقالية. وعلى الرغم من نجاح العملية في إنهاء العنف المسلح وإعادة بناء قدر معقول من الاستقرار، إلا أن هذا النجاح كان مصحوبًا بإشكاليات عميقة، أبرزها ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب وغياب المساءلة عن الجرائم الجسيمة. ويشير العديد من الباحثين إلى أن الاستقرار في سيراليون اعتمد بدرجة كبيرة على الردع الخارجي أكثر من اعتماده على مصالحة داخلية عميقة أو إصلاح مؤسسي شامل.

تقدم كولومبيا مثالًا على المخاطر المرتبطة بتفكيك الميليشيات دون معالجة جذور اقتصاد الحرب.
ففي مطلع الألفية، توصلت الحكومة الكولومبية إلى اتفاق مع ميليشيات القوات المتحدة للدفاع الذاتي (AUC) أدى إلى تسريح عشرات الآلاف من المقاتلين. غير أن هذه العملية لم تترافق مع تفكيك فعلي للشبكات الاقتصادية غير المشروعة ولا مع محاسبة جادة على الجرائم المرتكبة. ونتيجة لذلك، أعادت العديد من هذه الجماعات تشكيل نفسها في صورة عصابات إجرامية جديدة، واستمر العنف المسلح بأشكال مختلفة. تُظهر هذه التجربة أن التفكيك الشكلي، حتى لو بدا ناجحًا إحصائيًا، قد يفشل بنيويًا إذا لم يقترن بإصلاحات قانونية واقتصادية وأمنية عميقة.

تمثل الحالة اللبنانية نموذجًا لما يمكن تسميته بالتفكيك الانتقائي للميليشيات.
فقد نص اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية عام 1990 على حل جميع الميليشيات وبسط سلطة الدولة، إلا أن التطبيق جاء انتقائيًا. جرى حل معظم الميليشيات ودمج العديد من قادتها في مؤسسات الدولة السياسية والأمنية، في حين احتفظ فصيل مسلح رئيسي بسلاحه خارج إطار الدولة. أدى هذا الترتيب إلى نشوء دولة ذات سيادة منقوصة، حيث بات الجيش عاجزًا عن احتكار استخدام القوة، وأصبحت التوازنات المسلحة جزءًا بنيويًا من النظام السياسي. تُظهر هذه التجربة أن دمج الميليشيات دون نزع شامل للسلاح لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى هشاشة مزمنة.

تكشف المقارنة بين هذه الحالات أن العامل الحاسم في نجاح أو فشل تفكيك الميليشيات لا يتمثل في تبني نموذج DDR بحد ذاته، بل في عمق تطبيقه وطبيعته السياسية.
فالدول التي اعتمدت مقاربات جذرية شملت حل المؤسسات العسكرية القديمة ومنع انتقال القيادات الميليشياوية إلى داخل الجيوش النظامية، كما في ليبيريا، حققت نتائج أكثر استدامة من الدول التي لجأت إلى حلول توافقية أو انتقائية، كما في لبنان وكولومبيا. كما يتضح أن غياب العدالة الانتقالية أو الإبقاء على اقتصاد الحرب يقوض أي إنجاز أمني قصير الأمد.

في ضوء هذه التجارب، تبرز الحالة السورية كواحدة من أكثر الحالات تعقيدًا، نظرًا لتعدد الفصائل المسلحة، وتداخل البعد الطائفي والإقليمي، وطول أمد النزاع.
تشير الدروس المقارنة إلى أن أي محاولة لدمج الميليشيات السورية في جيش جديد دون تفكيكها تنظيميًا وأيديولوجيًا ستؤدي إلى إعادة إنتاج منطق الميليشيا داخل الدولة. كما أن الإبقاء على قيادات عسكرية تشكلت خلال الحرب في مواقع القرار الأمني سيقوض أي فرصة لبناء جيش وطني مهني. وعليه، فإن نجاح عملية الدمج في سوريا يتطلب حل البنية الأمنية القديمة، والاعتماد على فرز فردي صارم، وربط العملية بمسار واضح للعدالة الانتقالية، مع إشراف دولي تقني يضمن الشفافية ويمنع عودة التسلح خارج إطار الدولة.

يخلص هذا المقال التحليلي إلى أن تفكيك الميليشيات ودمج المقاتلين في الجيوش النظامية ليس إجراءً تقنيًا محدودًا، بل عملية سياسية تأسيسية تحدد طبيعة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب.
وتُظهر التجارب الدولية أن التسويات السطحية قد تحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنها غالبًا ما تزرع بذور نزاعات مستقبلية. وبالنسبة لسوريا، فإن بناء سلام مستدام يمر حتمًا عبر تفكيك شامل لمنظومة العنف، وبناء مؤسسة عسكرية وطنية خاضعة للمساءلة، وقادرة على تمثيل الدولة لا الفصائل.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى