مصر

إسطنبول..مركز حريات يعقد ندوة بعنوان” درع الأمة لمحاصرة مخططات تقسيم المنطقة”

عقد مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية ندوى فكرية–استراتيجية بعنوان «درع الأمة لمحاصرة مخططات التقسيم والتمزيق»، وذلك بمقر المركز في إسطنبول، بمشاركة نخبة من الباحثين والمفكرين من دول تعيش في قلب الاستهداف الجيوسياسي.

جاء المؤتمر في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع الحروب المفتوحة مع الصراعات المُدارة، وتتداخل مشاريع التقسيم مع أزمات الداخل، ويُعاد فيها تشكيل الخرائط السياسية والمجتمعية بعيدًا عن إرادة الشعوب، وبأدوات تتجاوز الاحتلال العسكري المباشر إلى الاستنزاف الطويل، والحروب بالوكالة، وتفكيك الوعي والهوية.

مشاركة عربية–إسلامية تمثل بؤر الاستهداف

وشارك في المؤتمر عدد من الباحثين والأكاديميين الذين يمثلون دولًا تشكّل نماذج حيّة لمخططات التفكيك، وهم:
• د. عبد الوهاب إكنجي – الأمين العام المساعد للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئيس اتحاد علماء تركيا
• د. إدريس ربوح – الكاتب والمحلل السياسي الجزائري
• د. خليل عبد الله – الوزير السوداني السابق والقيادي بالحركة الإسلامية
• د. عبد الوهاب قايد – الباحث بمركز الحقيقة اليبي
• د. محمد حسن نور – الأستاذ بجامعة مقديشيو بالصومال
• أ. عمار سارية الرفاعي – الإعلامي السوري

وقد عكست هذه التشكيلة طبيعة المؤتمر، الذي لم يُبنَ على مقاربات نظرية مجردة، بل على تجارب واقعية من قلب الصراع، حيث تعيش هذه الدول تداعيات التفكيك المباشر أو المهدَّد، بدرجات متفاوتة.

افتتح المؤتمر الدكتور حسين عبد العال، رئيس دائرة شؤون الدعوة بمركز حريات، فيما أدار جلساته الأستاذ إسلام الغمري، رئيس دائرة الشؤون المصرية بالمركز، في إطار تنظيمي وفكري يعكس توجه المركز نحو الجمع بين العمق البحثي والانضباط المؤسسي.

تشخيص بلا مواربة

في كلمته الافتتاحية، رحّب الدكتور حسين عبد العال بالمشاركين، مؤكدًا أن المؤتمر يُعقد في لحظة فارقة من تاريخ الأمة، تتقاطع فيها مشاريع التفكيك مع أزمات الداخل، ويُستهدف فيها المجتمع والدولة معًا، لا عبر الاحتلال العسكري وحده، بل من خلال استنزاف طويل الأمد، وصراعات مُدارة، وتفكيك ممنهج للوعي والحدود والولاءات.

وأوضح أن مؤتمر «درع الأمة» لا يأتي بوصفه فعالية خطابية أو رد فعل عاطفي على الأحداث، بل كجزء من اشتباك فكري واستراتيجي واعٍ مع سؤال مصيري: كيف نحمي استقرار أوطاننا دون التفريط في كرامة شعوبنا؟ وكيف نمنع التفكيك دون تبرير الاستبداد؟

وأشار إلى أن التجارب الأخيرة أثبتت أن تفكيك الدول لا يبدأ من الجغرافيا، بل من المجتمع؛ من ضرب الثقة، وتفريغ السياسة، وتحويل الأمن إلى أداة ضد الناس، وتقديم الفوضى بوصفها قدرًا محتومًا. كما شدد على أن حماية الدولة لا تتحقق بعسكرة المجال العام، بل ببناء عقد وطني جامع، وعدالة، ومشاركة، ووعي استراتيجي بالتهديدات الحقيقية.

وأكد أن المؤتمر يسعى إلى إعادة التموضع: تموضع قوى الأمة فكرًا وسياسة ومجتمعًا دفاعًا عن وحدة الدول، واستقرار الشعوب، وحقها في تقرير مصيرها دون وصاية داخلية أو هيمنة خارجية.

وقد تناولت مداخلات المشاركين واقع بلدانهم بوصفها ساحات اختبار حقيقية لمخططات التفكيك، حيث عرض كل متحدث طبيعة الاستهداف في دولته، وأدواته، ومساراته، من حروب أهلية، إلى صراعات هوياتية، إلى تدخلات خارجية، إلى انهيار مؤسسات الدولة، أو تفريغها من مضمونها.

وقد أجمع المتدخلون على أن ما يجري في ليبيا، وسوريا، واليمن، والعراق، والسودان، والصومال ليس أزمات داخلية معزولة، بل نماذج متقدمة لمخطط إقليمي–دولي أوسع، قابل للتمدد إلى دول أخرى إذا لم تتم مواجهته بوعي جماعي واستراتيجية متكاملة.

كما حذّر المشاركون من أن دولًا محورية مثل مصر وتركيا والسعودية وباكستان ليست خارج دائرة الاستهداف، وأن التقسيم – وفق الخرائط والمخططات المعروفة – قد يطال الجميع، وإن بأدوات مختلفة، إذا استمرت حالة التفكك، وغياب التنسيق، والصمت الاستراتيجي.

وفي ختام المؤتمر، صدرت مجموعة من التوصيات التي عكست عمق النقاش، واتسمت بالترابط والتكامل، وأكدت أن معركة منع تفكيك الدول العربية والإسلامية ليست معركة حدود فقط، بل معركة وعي، ونموذج حكم، وتموضع استراتيجي.

وأكد المؤتمر أن أخطر ما تواجهه الأمة اليوم هو الجمع بين مشروعين متوازيين: تفكيك الدولة من الداخل، واستنزاف المجتمع باسم الأمن أو الاستقرار.

وشددت التوصيات على عدد من المرتكزات الأساسية، أبرزها:
• أن حماية الدولة لا تنفصل عن حماية المجتمع، وأن أي نموذج أمني يعادي شعبه هو نموذج مؤقت، يراكم أسباب الانفجار بدل منعه.
• ضرورة الفصل الواضح بين الأمن القومي وأمن النظام، واعتماد مفهوم الأمن المجتمعي القائم على العدالة والكرامة والمشاركة السياسية.
• الدعوة إلى بناء تحالف فكري–مجتمعي واسع ينتج سردية بديلة تواجه خطاب الفوضى والاستبداد معًا.
• التأكيد على أن مشاريع «سايكس–بيكو الجديدة» لا تُواجَه بالشعارات، بل برؤية استراتيجية تعالج جذور التفكك: غياب العدالة، وتآكل السيادة، وتدويل الأزمات.
• تطوير منصات بحثية وتنسيقية عابرة للحدود لرصد سياسات الاستنزاف وصياغة أوراق سياسات عملية.
• إعادة الاعتبار للتحالفات بين الدول العربية والإسلامية المحورية، ورفض الحروب بالوكالة، ومنع توظيف الانقسامات الداخلية.
• الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى التنسيق الاستباقي لرصد مؤشرات التفكيك المبكر.
• تعزيز دور المجتمعات بوصفها شريكًا في حماية الدولة، لا عبئًا عليها.
• التعامل مع الموارد الحيوية (المياه، الغذاء، الطاقة، الممرات الاستراتيجية) باعتبارها قضايا أمن قومي جماعي.
• التأكيد على مركزية فلسطين بوصفها معيارًا كاشفًا لصدق المواقف، ورفض أي استقرار يتجاهل الإبادة والاحتلال والتطبيع القسري.
• العمل على بلورة مسار تنسيقي دائم بين مراكز الدراسات والمؤسسات البحثية لتحويل المعرفة إلى أداة تأثير فعلي.

اختتم المؤتمر أعماله بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة لا تحتمل الترف الفكري ولا الاصطفافات الضيقة، بل تتطلب شجاعة في التشخيص، وجرأة في الموقف، وقدرة على الجمع بين الواقعية والمبدئية.

وأكد المشاركون أن خيار الأمة اليوم واضح: إما إعادة التموضع دفاعًا عن أوطانها ووحدة شعوبها، أو ترك المجال مفتوحًا لمزيد من التفكيك والاستنزاف الذي لن يستثني أحدًا.

وقد شكّل مؤتمر «درع الأمة» خطوة متقدمة في مسار بناء وعي استراتيجي عربي–إسلامي مشترك، يواجه مخططات التقسيم لا بوصفها أقدارًا، بل تحديات قابلة للمقاومة، إذا توفرت الإرادة، والرؤية، والتنسيق.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى