مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: : الحسكة: اختبار الدولة أم إعادة تدوير الأزمة؟

تدخل سوريا واحدة من أكثر لحظاتها السياسية حساسية منذ سنوات مع بدء تطبيق الاتفاق بين الحكومة السورية وتنظيم «قسد» في محافظة الحسكة. فالمسألة لا تتعلق بإجراءات إدارية أو ترتيبات أمنية مؤقتة، بل باختبار حقيقي لطبيعة الدولة السورية المقبلة: هل نحن أمام دولة جامعة قادرة على استيعاب تنوعها وإنهاء مشاريع التفكك، أم أمام صيغة جديدة تعيد إنتاج المركزية القديمة بأدوات مختلفة ومسميات أكثر حداثة؟

وصف الاتفاق بـ«الشامل» ترافق مع حديث عن ضمانات دولية أميركية وفرنسية وتركية، غير أن التجربة السورية، كما تجارب نزاعات أخرى، تؤكد أن الضمانات الخارجية لا تكون بديلًا عن الحلول الداخلية. فنجاح أي تسوية لا يُقاس بما كُتب في بياناتها، بل بقدرتها على معالجة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بإعادة تنظيم النفوذ أو إدارة التوازنات الهشة.

في هذا السياق، يبرز السؤال الأكثر تعقيدًا: كيف يمكن إقناع الأكراد، ولا سيما أولئك الذين عاشوا لسنوات في ظل مشروع أو حلم «روج آفا»، بالاندماج ضمن الدولة السورية؟ الإجابة لا يمكن أن تأتي بلغة الغلبة أو الاستتباع، لأن ذلك يعني نسف الاتفاق من أساسه. الإقناع لا يكون بالمطالبة بالتخلي عن تجربة كاملة، بل بتحويل هذه التجربة – بما لها وما عليها – إلى جزء من مشروع وطني تشاركي أوسع، يقوم على لامركزية إدارية حقيقية، وضمان الحقوق الثقافية والسياسية، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية.

بالنسبة لشريحة واسعة من الأكراد السوريين، لم يكن مشروع «روج آفا» مجرد إدارة محلية، بل تعبيرًا عن خوف متراكم من التهميش والإقصاء الذي مارسه النظام السابق لعقود. من هنا، فإن أي حديث عن «العودة إلى المركز» يجب أن يُقدَّم بوصفه انتقالًا إلى دولة قانون ومؤسسات، لا عودة إلى أنماط حكم أثبتت فشلها. الدولة لا تُستعاد بالقوة، بل تُبنى بالثقة، والثقة لا تُمنح بل تُكتسب.

في هذا الإطار، يُسجَّل أن الحكومة السورية بدأت بالفعل بخطوات تشريعية وتنفيذية تعالج مسألة المواطنة الكاملة للكرد السوريين، في تحوّل لا يمكن تجاهله. فقد صدر المرسوم الرئاسي رقم (13) عن الرئيس الشرع، والذي يؤسس قانونيًا لمبدأ المواطنة المتساوية، تلاه تعميم تطبيقي صادر عن وزير الداخلية لمعالجة ملف الجنسية، إضافة إلى تعميمين تنفيذيين صادرين عن وزيري التربية والتعليم العالي يفتحان الباب أمام اعتماد اللغة الكردية ضمن الأطر التعليمية. هذه الإجراءات، إذا ما استُكملت وتُرجمت على الأرض، تعكس إدراكًا رسميًا لأصالة الشعب الكردي في سوريا، ولضرورة دمجه الكامل بوصفه مكونًا وطنيًا أصيلًا، لا ملفًا مؤجلًا أو ورقة تفاوضية.

غير أن نجاح هذا المسار يبقى مشروطًا بعامل حاسم لا يمكن القفز فوقه، وهو فك الارتباط الكامل بين «قسد» و«مسد» من جهة، وتنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK) الإرهابي العابر للحدود من جهة أخرى، سياسيًا وعسكريًا. فاستمرار هذا الارتباط يُبقي المشروع المحلي أسير أجندات إقليمية، ويقوّض أي إمكانية حقيقية لبناء ثقة وطنية. لا يمكن الحديث عن اندماج وطني ناجح أو انتقال سياسي مستقر في ظل وجود تنظيم أيديولوجي عابر للحدود يتحكم بجزء من القرار العسكري والسياسي. الانتقال يتطلب مشروعًا وطنيًا سوريًا خالصًا، يقوم على الشراكة لا الوصاية، وعلى التعددية لا الارتباطات الخارجية.

أما التحديات التي ستواجه منظومة الإدارة المندمجة في الحسكة، فهي متعددة المستويات. سياسيًا، تبرز أزمة الثقة بوصفها التحدي الأكبر: فهناك من يخشى فقدان مكتسباته، وهناك من يخاف من إعادة إنتاج منظومات استبدادية بواجهات جديدة، فضلًا عن قلق مشروع من استمرار نفوذ قوى غير سورية في القرار المحلي. تجاوز هذا التحدي يتطلب شفافية كاملة في آليات الدمج، ومشاركة حقيقية لأبناء المنطقة في صنع القرار، بعيدًا من الحلول الشكلية أو التعيينات الفوقية.

اقتصاديًا وخدميًا، سيكون الاتفاق تحت اختبار يومي لا يحتمل التسويف. إدارة الموارد، توحيد الجباية، ضمان الرواتب، وتحسين الخدمات الأساسية، هي المعايير التي سيحكم المواطن من خلالها على جدوى هذه المرحلة. سكان الحسكة لن يقيسوا نجاح الاتفاق بخطاباته السياسية، بل بمدى تحسّن شروط حياتهم: كهرباء مستقرة، مياه، تعليم، صحة، وفرص عمل. أي إخفاق في هذا الجانب سيعيد إنتاج الشك سريعًا، مهما كانت النيات المعلنة إيجابية.

أما أمنيًا، فلا يمكن القبول باستمرار تعدد المرجعيات داخل منطقة واحدة. من المستحيل بناء استقرار دائم بوجود جيشين أو جهازين أمنيين. عمليات الدمج يجب أن تكون تدريجية، ممنهجة، ومنصفة، وأن تقوم على أساس الشراكة والتعددية داخل جهاز وطني واحد، ولاؤه للدولة السورية وحدها، ويحمل عقيدة أمنية هدفها حماية المواطن لا إخضاعه، ومكافحة أي مشروع خارجي يستثمر في هشاشة الداخل.

في المحصلة، إن نجاح الإدارة المندمجة في الحسكة، وإعادة بناء الثقة مع المكون الكردي، لن يتحقق بالشعارات وحدها، بل بخيارات واضحة وشجاعة: دولة تعترف بتنوعها، مشروع وطني تشاركي، سيادة واحدة، وسلطة قانون واحدة. هذه اللحظة قد تكون بداية انتقال فعلي نحو دولة المواطنة إذا أُديرت بعقلية المستقبل، أو فرصة ضائعة أخرى إذا أُعيد إنتاجها بأدوات الماضي.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى