في الذكرى العشرين لغرق العبّارة «السلام 98»… مأساة بحرية لم تُحاسَب وذاكرة وطنية ترفض النسيان

تحلّ ذكرى غرق العبّارة المصرية «السلام 98» كإحدى أكثر الفواجع إيلامًا في التاريخ المصري الحديث، تلك الكارثة التي وقعت عام 2006 في البحر الأحمر أثناء رحلة العبّارة من منطقة تبوك بالمملكة العربية السعودية إلى ميناء سفاجا، وأسفرت عن غرق أكثر من 1033 شخصًا، معظمهم من العمال المصريين العائدين إلى بلادهم، في مشهد إنساني صادم ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم.
أولًا: خلفية الكارثة… رحلة عودة تحوّلت إلى فاجعة
في ساعات الليل الأولى من الرحلة، اندلع حريق داخل العبّارة، قبل أن تميل وتفقد توازنها ثم تغرق بالكامل.
شهادات ناجين وتقارير لاحقة تحدثت عن:
- قصور شديد في وسائل السلامة البحرية.
- تأخر عمليات الإنقاذ رغم وصول نداءات استغاثة.
- سوء إدارة الأزمة وغياب التنسيق الفعّال بين الجهات المعنية.
- نقص معدات النجاة مقارنة بعدد الركاب.
لم تكن الكارثة حادثًا عرضيًا، بل نتيجة سلسلة من الإهمال والتراكمات التي جعلت البحر الأحمر مسرحًا لإحدى أكبر المآسي البحرية في المنطقة.
ثانيًا: حصيلة الضحايا… أرقام تتحوّل إلى وجوه
أكثر من ألف شهيد، بينهم آباء وأبناء وشباب في مقتبل العمر، كانوا يحملون أحلام العودة إلى أسرهم بعد سنوات من الغربة والعمل الشاق.
ورغم ضخامة العدد، تحوّل الضحايا إلى أرقام في بيانات رسمية، بينما ظلّت قصصهم الإنسانية غائبة عن التوثيق الجاد، ما عمّق شعور أسرهم بالظلم والتجاهل.
ثالثًا: ما بعد الغرق… العدالة المؤجلة
أعقبت الكارثة موجة غضب شعبي وإعلامي واسعة، ومطالبات بمحاسبة المسؤولين عن تشغيل العبّارة، والجهات الرقابية التي سمحت لها بالإبحار.
لكن مع مرور الوقت:
- تراجعت وتيرة التحقيقات.
- طُويت ملفات المسؤولية دون محاسبة تتناسب مع حجم الفاجعة.
- شعر أهالي الضحايا بأن القضية أُغلقت سياسيًا وقضائيًا قبل الوصول إلى الحقيقة الكاملة.
وهكذا، تحوّلت «السلام 98» إلى رمز لفشل منظومة المحاسبة لا مجرد حادث بحري.
رابعًا: كيف يُحيي المصريون الذكرى؟
في كل عام، تعود الذكرى كنداء مفتوح ضد النسيان، حيث يحييها أهالي الضحايا وناشطون وإعلاميون عبر:
- نشر شهادات الناجين وقصص الضحايا على وسائل التواصل الاجتماعي.
- إعادة تداول التحقيقات الصحفية التي كشفت أوجه القصور.
- تنظيم وقفات رمزية أو بيانات تذكارية.
- المطالبة بإعادة فتح الملف ومراجعة ما جرى.
هذه الفعاليات، رغم بساطتها، تؤكد أن الذاكرة الشعبية أقوى من محاولات الطمس.
خامسًا: لماذا نحتاج إلى «ذاكرة التاريخ»؟
تُعيد ذكرى «السلام 98» طرح مطلب أساسي: تفعيل قسم دائم بعنوان «ذاكرة التاريخ».
قسم لا يكتفي بالتأريخ، بل يوثّق ويحلّل ويُحمّل المسؤوليات، ويُبقي القضايا الوطنية الكبرى حيّة في الوعي العام.
ويهدف هذا القسم إلى:
- توثيق الكوارث الوطنية الكبرى دون انتقائية.
- حفظ شهادات الضحايا والناجين كجزء من التاريخ.
- ربط المأساة بسياقها السياسي والإداري.
- تحويل الذاكرة إلى أداة وعي تمنع تكرار الكارثة.
سادسًا: الذاكرة في مواجهة التكرار
إن تجاهل «السلام 98» لم يكن مجرد نسيان، بل رسالة خطيرة مفادها أن الإهمال يمكن أن يمر دون حساب، وأن الضحايا الفقراء يمكن أن يُنسوا.
ويرى حقوقيون أن السكوت عن هذه الفاجعة فتح الباب لتكرار مآسٍ مشابهة، بأشكال مختلفة، في ظل غياب الردع والمحاسبة.
خلاصة التقرير
إحياء ذكرى غرق العبّارة «السلام 98» ليس فعل حزن فقط، بل موقف أخلاقي وسياسي في آنٍ واحد.
موقف يقول إن:
- الدم لا يسقط بالتقادم.
- الذاكرة حق.
- والعدالة المؤجلة لا تعني عدالة ملغاة.
السلام 98 لم تغرق في البحر فقط…
بل غرقت معها أسئلة ما زالت تنتظر إجابة.






