شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب – زكي نجيب محمود العقل الذي أنزل الفلسفة إلى الشارع

في مثل هذا اليوم، 1 فبراير 1905، لم يولد فيلسوف بالمعنى الأكاديمي الضيق، بل وُلد جسر. جسرٌ بين الفلسفة والحياة، بين السؤال والخبز اليومي، بين أعقد الأفكار وأبسط العقول. وُلد رجل سيُتعب الفلاسفة لأنه أخرج الفلسفة من أبراجها، ويُربك الأدباء لأنه حمّل اللغة أكثر مما اعتادت أن تحمله من معنى.

لم يكن زكي نجيب محمود فيلسوفًا يكتب للنخبة، ولا أديبًا يغازل الذائقة، بل عقلًا قرر أن ينزل بالفكر إلى الشارع، وأن يجعل الفلسفة صالحة للاستعمال الإنساني اليومي. كان يؤمن أن الفكرة إن لم تُعش، تموت، وإن لم تُفهم، تتحول إلى عبء.

وُلد في قرية ميت الخولي عبد الله، مركز الزرقا بمحافظة دمياط. من الريف الذي يعرف معنى البساطة، خرج عقل شديد التعقيد، لكنه لم يتعالَ يومًا على جذوره. تعلّم في المدارس المصرية، وتخرّج في جامعاتها، وبدأ التدريس حتى عام 1943، قبل أن يسافر إلى إنجلترا في بعثة علمية.

في جامعة لندن، حصل على الدكتوراه في الفلسفة عام 1947. هناك، في قلب الغرب، تعرّف على الفلسفة الوضعية والمنطق العلمي، لكنه لم يبتلعها كما هي. عاد بها إلى القاهرة لا ليكرّرها، بل ليُحاورها، ويُعيد صوغها بما يناسب عقلًا عربيًا يبحث عن نظام لا عن تبعية.

تدرّج في المواقع الأكاديمية حتى صار أستاذًا بقسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة القاهرة. لكنه لم يكتفِ بالجامعة. كان يشعر أن القاعات تضيق بالفكرة إذا لم تخرج إلى الناس. لذلك تعددت أدواره:
مستشارًا ثقافيًا،
عضوًا بالمجلس القومي للثقافة،
أستاذًا للفلسفة بجامعة الكويت لخمسة أعوام متصلة،
وأستاذًا زائرًا بجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة.

في 1965، أوكلت إليه وزارة الثقافة—في عهد الوزير محمد عبد القادر حاتم—مهمة تأسيس مجلة فكرية رصينة. فأنشأ مجلة “الفكر المعاصر”، وترأس تحريرها، ودعا كبار المفكرين للكتابة فيها. لم تكن مجلة نخب مغلقة، بل مساحة حوار حقيقي بين التيارات الفكرية المختلفة.

كتب فيها مقالًا شهريًا ثابتًا بعنوان «تيارات فلسفية»، كأنه كان يرسم خريطة ذهنية للقارئ العربي، لا ليقوده، بل ليمنحه أدوات السير بنفسه. كان يشرح، لا يفرض. يفتح الأسئلة، لا يُغلقها.

وفي 1973، بدأ مقاله الأسبوعي في جريدة الأهرام كل ثلاثاء. مقالٌ انتظرته العقول قبل العيون. بلغ من تأثيره أن خمس صحف عربية كانت تعيد نشره في اليوم نفسه. لم يكن ذلك شيوعًا صحفيًا، بل عطشًا فكريًا.

كتب في الفلسفة والمنطق، لكنه كتب أيضًا عن الحياة الثقافية، وعن أزمة العقل العربي، وعن العلاقة بين التراث والمعاصرة. كانت كتبه—مثل تجديد الفكر العربي والمعقول واللامعقول في تراثنا الفكري—محاولات شجاعة لتفكيك الموروث دون هدمه، وبناء الحديث دون استلاب.

لم يكن متمردًا على التراث، ولا أسيرًا له. كان يحاول أن يُقيم عقدًا جديدًا بين العقل والنص، بين الإيمان والعلم، بين الماضي والمستقبل. ولهذا، اختلف معه كثيرون، لكنهم لم يستطيعوا تجاهله.

نال جائزة الدولة التقديرية، تكريمًا لعقلٍ خدم الثقافة المصرية والعربية دون أن يطلب سلطة أو جمهورًا. تسلّمها في احتفال مهيب، لكنها لم تغيّر من تواضعه شيئًا. كان يعرف أن التكريم الحقيقي هو أن تبقى الفكرة حيّة.

في 8 سبتمبر 1993، رحل زكي نجيب محمود. رحل الجسد، وبقي السؤال. بقي ذلك الصوت الهادئ الذي يقول لك: فكّر… لا تردّد. افهم… لا تقلّد. اجعل للعقل مكانًا في حياتك، كما تجعل للقلب مكانًا.

وجوه لا تغيب…
لأن بعض الرجال لا يكتبون كتبًا،
بل يكتبون عقولًا.
ولأن الفلسفة،
حين تُقال بلغة الناس،
تصير حياة…
لا درسًا في الهامش.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى