شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: حكومة بلا ثقة وبرلمان بلا رقابة . ٣٧ يومًا متبقية على حل البرلمان

المواعيد الدستورية لا تُكتب للزينة، ولا تُدرج للمجاملة، ولا تُترك رهينة الرغبات السياسية. هي قيود إلزامية، متى جرى تعطيلها أو الالتفاف عليها ترتّب على ذلك البطلان، لا النقاش، وسقوط المشروعية، لا الخلاف، وهو جوهر فكرة سيادة الدستور ولبّ الدولة القانونية.

انتهت الانتخابات البرلمانية، واكتمل تشكيل مجلس النواب، وانعقد المجلس جلسته الأولى، ودخلت الدولة – بحكم النص – في المرحلة الدستورية التالية التي لا تقبل الفراغ: مرحلة تشكيل الحكومة ونيلها الثقة، وهي لحظة فاصلة في أي نظام نيابي يحترم الشرعية البرلمانية. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد السؤال سياسيًا، بل دستوريًا خالصًا: لماذا تعطّل مسار الثقة رغم اكتمال شروط بدئه؟

مرّ ثلاثة وعشرون يومًا على أول جلسة انعقاد لمجلس النواب، دون تكليف حكومة جديدة، ودون عرض بيان وزاري، ودون إتاحة الفرصة للبرلمان كي يمنح الثقة أو يحجبها. وبحساب النص لا التأويل، لم يتبقَّ سوى سبعة وثلاثين يومًا فقط على بلوغ الأثر الدستوري الأخطر المنصوص عليه صراحة: حل البرلمان، وفق منطق المدد الدستورية لا هوى السياسة.

المادة (146) من الدستور وضعت تنظيمًا دقيقًا ومغلقًا لمسار تشكيل الحكومة: تكليف رئيس لمجلس الوزراء، ثم عرض التشكيل والبرنامج على مجلس النواب، ثم منح الثقة أو حجبها خلال ثلاثين يومًا، فإذا فشل المسار يُكلَّف مرشح الحزب أو الائتلاف صاحب الأكثرية، ومع الفشل الثاني يُعد المجلس منحلاً، على ألا يزيد مجموع مدد الاختيار على ستين يومًا. هذا نص آمر لا يحتمل التعليق ولا يسمح بتجميد بدايته، وهو حجر الأساس في الدولة النيابية.

الامتناع عن التكليف لا يوقف الساعة الدستورية، لأن الدستور لا يُعلَّق بالإهمال. المدد لا تبدأ بإرادة سياسية، بل بانعقاد البرلمان ووجوب خضوع الحكومة للثقة. تعليق البداية هو تصادم حتمي مع السقف الزمني الذي وضعه الدستور لمنع الفراغ والتحايل، لا لإدارتهما، وهو ما يكشف خطورة تعطيل النص.

الأخطر من إسقاط الثقة هو تعطيل مسارها. إسقاط الثقة إجراء دستوري مشروع تتحرك فيه المؤسسات داخل النص، أما تعطيل المسار فيعني شل النص ذاته وتحويل الاستثناء إلى قاعدة. حكومة تستمر بلا تكليف جديد، وبلا بيان، وبلا ثقة، لا تصنع استقرارًا، بل تراكِم هشاشة شرعية تُفرغ النظام النيابي من معناه وتضرب المشروعية الدستورية في صميمها.

هذا التعطيل لا يصيب الحكومة وحدها، بل يمتد ليصيب البرلمان في جوهر وظيفته. اللائحة الداخلية لمجلس النواب نظّمت الرقابة على أساس وجود حكومة مسؤولة وبرنامج معروض. المادة 129 نظمت الأسئلة، المادة 130 نظمت الاستجواب، والمادة 131 قررت صراحة أن سحب الثقة لا يكون إلا بعد استجواب. والاستجواب، بحكم طبيعته، يفترض حكومة قائمة التزمت ببرنامج أمام النواب، وهو ما يجعل الرقابة البرلمانية مرهونة بوجود بيان.

هنا تتكشّف المفارقة الدستورية الأخطر: كيف يُطلب سحب الثقة من حكومة لم تُمنَح الثقة أصلًا؟ وكيف تُسأل عن برنامج لم تعرضه؟ وكيف تُحاسب على التزام لم تتعهد به أمام ممثلي الشعب؟ تعطيل التكليف والبيان لا يجمّد الرقابة فقط، بل يُبطلها لائحيًا وقانونيًا، ويفرغ أدوات الاستجواب من معناها.

النتيجة معادلة مقلقة: حكومة بلا ثقة، وبرلمان بلا رقابة. معادلة تهدم جوهر النظام النيابي، وتحوّل الفصل بين السلطات إلى عبارة إنشائية بلا مضمون. الرقابة ليست زينة ديمقراطية، بل شرط استمرار الشرعية نفسها في أي دولة تحترم الفصل بين السلطات.

الزعم بأن المدد لم تبدأ لأن التكليف لم يتم، أحد أخطر أشكال الالتفاف على الدستور. النص لا ينتظر الرغبة، والالتزام لا يسقط بالامتناع. تعطيل الإجراء الواجب يُنشئ مخالفة قائمة بذاتها، ويقود حتمًا إلى استحالة احترام السقف الزمني دون انتهاك النص، وهو ما يفضي إلى البطلان بحكم القواعد العامة.

التجارب العربية القريبة تحمل تحذيرات واضحة. في ليبيا، أدى الإبقاء على حكومة بلا ثقة واضحة في ظل نزاع مؤسسي إلى شلل البرلمان وتفكك المشروعية وتعدد مراكز السلطة، بينما في لبنان قاد تعطيل تشكيل الحكومات وتأخير عرض بياناتها إلى فراغات طويلة شلّت الرقابة البرلمانية، حتى صار تصريف الأعمال قاعدة دائمة لا استثناءً مؤقتًا. تعطيل مسار الثقة كان المدخل المشترك للأزمتين، ودليلًا على خطورة تعطيل الرقابة.

المقارنة الدولية تؤكد أن الأنظمة البرلمانية المستقرة لا تواجه الأزمات بتعليق النصوص، بل بتفعيلها. حين تفشل حكومة في نيل الثقة، يُفعَّل البديل فورًا داخل المدد، حمايةً للبرلمان من التفريغ، ومنعًا لتحول الحكومات المؤقتة إلى سلطات دائمة بلا مساءلة، وهو منطق يحمي التوازن بين السلطات.

التاريخ البرلماني المصري نفسه يشهد أن كل مرة احترم فيها عرض البيان ونيل الثقة أو حجبها، استعادت الرقابة معناها حتى في أشد اللحظات توترًا، بينما كل تهاون في مسار الثقة أدى إلى إضعاف البرلمان وإطلاق يد السلطة التنفيذية بلا كوابح فعالة، في تناقض صريح مع التقاليد البرلمانية.

الآثار الدستورية لتعطيل هذا المسار لم تعد افتراضية. نحن أمام عدٍّ تنازلي واضح: ثلاثة وعشرون يومًا انقضت، وسبعة وثلاثون يومًا متبقية. ومع استنفاد المدد دون تفعيل البدائل، يقترب أثر حل البرلمان بوصفه نتيجة قانونية محتملة لمسار جرى تعطيله عمدًا، لا كخيار سياسي، بل كحكم نصّي صريح تفرضه المادة 146.

استعادة الدولة الدستورية لا تبدأ بإدارة الوقت ولا بتدوير الفراغ، بل بالعودة الصارمة إلى النص: تكليف فوري، بيان واضح، وثقة تُمنح أو تُحجب داخل المدد. أي طريق آخر هو تراكم لأزمة شرعية مؤجلة، يدفع ثمنها البرلمان والحكومة والدولة معًا، وهو ما يهدد الدولة القانونية.

الخلاصة أن حكومة بلا ثقة وبرلمان بلا رقابة ليسا ظاهرتين منفصلتين، بل خرقًا دستوريًا مزدوجًا يفرغ الدولة النيابية من معناها. إنقاذ الشرعية لا يكون بتطويل الفراغ، بل بإعادة الاعتبار لقواعد الحكم الدستوري، صونًا لإرادة الناخبين وحماية لمعنى البرلمان ذاته في إطار الإرادة الشعبية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى