
التحولات الجيوسياسية التي تُغلق زمن الوكلاء وتفتح كفة الشرعية
لم تعد طرابلس تواجه خصومها في فراغ سياسي أو عزلة إقليمية كما كان الحال في سنوات سابقة. المشهد الجيوسياسي الذي يتشكّل اليوم في الإقليم يختلف جذريًا عن ذلك الذي سمح بتمدّد مشاريع الوكالة والتمرد، ويؤشر إلى نهاية مرحلة استثمرت فيها قوى إقليمية في تفكيك الدول عبر وكلاء محليين، وتسويق الفوضى كبديل عن الدولة. هذا التحول يضع على عاتق طرابلس مسؤولية الصمود، لا بوصفه خيارًا دفاعيًا مؤقتًا، بل باعتباره ركيزة استراتيجية لالتقاط لحظة تاريخية مواتية.
على امتداد الإقليم، من القرن الإفريقي إلى المشرق العربي، تتهاوى منظومات الوكلاء واحدة تلو الأخرى. في السودان، انكشفت حدود الرهان على ميليشيا الدعم السريع، وتحولت من أداة ضغط إقليمي إلى عبء أمني وسياسي. في اليمن، تراجع مشروع الانفصال الجنوبي أمام صلابة الدولة اليمنية المعترف بها دوليًا، وتبدّل المزاج الإقليمي والدولي تجاه الكيانات المسلحة الخارجة عن الشرعية. في الصومال، أُغلقت مساحات المناورة أمام الفاعلين غير الدولتيين، وتقدمت الدولة بدعم إقليمي مباشر. وفي سوريا، ورغم تعقيد المشهد، تراجعت قدرة الوكلاء على فرض وقائع جديدة خارج التفاهمات الكبرى.
هذه ليست أحداثًا منفصلة، بل حلقات في مسار واحد: إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، وتجفيف بيئات الوكالة، وإعادة ضبط استخدام القوة في الإقليم. وهو مسار تقوده دول وازنة ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي، باتت ترى في استقرار الحكومات الشرعية شرطًا لأمنها القومي، لا عبئًا دبلوماسيًا.
في هذا السياق، تقف طرابلس على أرضية أقوى مما يُتصوّر. فشرعية الحكومة القائمة ليست مجرد توصيف قانوني، بل باتت جزءًا من منظومة إقليمية أوسع، تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية مع حسابات الاستقرار. هذا التداخل لم يعد نظريًا أو خطابيًا، بل تُرجم إلى دعم سياسي مباشر، وتنسيق أمني، ورفض متزايد لأي محاولات لفرض بدائل قسرية عبر أدوات عسكرية أو مسارات موازية.
غير أن هذه اللحظة، بما تحمله من فرص، تحمل في الوقت نفسه مخاطر جسيمة إذا أُسيء التعامل معها. أخطر هذه المخاطر هو مدّ “حبل النجاة” للخصم، سواء عبر تسويات متسرعة، أو تنازلات غير محسوبة، أو إعادة إنتاج مسارات فاشلة أثبتت التجربة أنها لا تنهي الصراع بل تطيل عمره. فالتمرد في شرق ليبيا لم يعد يستمد قوته من تماسك داخلي، بل من شبكة مصالح إقليمية بدأت هي نفسها تتفكك تحت ضغط التحولات الكبرى.
المؤشرات على الارتباك داخل معسكر التمرد باتت واضحة: تناقض في الخطاب، ارتجال في التحركات، وتسابق على تثبيت مواقع قبل أن تتغير قواعد اللعبة. هذا الارتباك ليس علامة قوة، بل دليل على إدراك عميق بأن البيئة التي سمحت بالتمدد سابقًا لم تعد قائمة. وكل محاولة لفرض وقائع جديدة، سواء عبر السيطرة على الموارد أو تعطيل المؤسسات، تأتي اليوم بنتائج عكسية، وتسرّع في كشف المشروع بدل تثبيته.
على طرابلس، في المقابل، أن تدرك أن الصمود الخارجي لا يكتمل دون إعادة ترتيب البيت الداخلي. فتماسك الصف، وتحييد الخلافات الثانوية، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المعسكر الداعم للشرعية، ليست مسائل داخلية بحتة، بل شروط جيوأمنية أساسية. الإقليم يتغيّر بسرعة، ولا ينتظر من يتردد أو ينشغل بصراعات هامشية بينما الفرصة سانحة.
إن ما يُروّج له من مسارات موازية، أو صفقات تُدار خارج الإطار الوطني، أو محاولات تدوير الوجوه نفسها تحت عناوين جديدة، لن يخرج ليبيا من أزمتها، بل سيغرقها أكثر في الوحل. التجارب الإقليمية القريبة تؤكد أن الدول التي صمدت، ورفضت شرعنة الوكلاء، وانتظرت لحظة التحول، خرجت أقل كلفة وأكثر قدرة على استعادة سيادتها.
خلاصة المشهد
طرابلس اليوم ليست في موقع الدفاع، بل على تخوم تحول إقليمي يعيد تعريف من يملك الشرعية ومن يُترك خارج المعادلة. انهيار حلقات الوكلاء، وتراجع مشاريع التفكيك، وصعود تحالفات داعمة للدولة، كلها عوامل تصب في صالحها. لكن هذه الكفة لن تبقى راجحة تلقائيًا. الصمود الواعي، والحساب الدقيق للخطوات، ورفض إنقاذ الخصم من مأزقه، هي شروط عبور هذه المرحلة.
التغيير قادم، والمعادلات الإقليمية المقبلة لن ترحم مشاريع التمرد. ومن يحسن قراءة اللحظة، ويثبت على خياراته، سيكون في موقع من يكتب الفصل التالي، لا من يُفرض عليه.







