
“خطرٌ صامت يفتك بالصدق والرسالة”
في مسيرة العمل الإسلامي، حيث تُرفع رايات الإخلاص ويُستدعى معنى الشهادة على الناس، تتسلّل آفةٌ ناعمة الملمس، شديدة الأثر، اسمها التملّق. لا يطرق باب الدعوة بعنف، بل يدخلها همسًا، فيغتال الصدق، ويشوّه النصيحة، ويحوّل الشورى إلى صدى صوتٍ واحد.
التملّق ليس مجرّد خُلُقٍ فرديٍّ مذموم، بل سلوكٌ منظوميٌّ إذا استقرّ، صنع بيئةً تُكافئ الكذب المهذّب، وتُعاقب الصدق الجارح، وتُبدّل ميزان القرب من الله بميزان القرب من الأشخاص.
“ملامح المتملِّق.. حين يُزيَّن الباطل بثوب الورع”
المتملّق يُكثر الثناء حيث يجب البيان، ويختار الصمت حيث تجب النصيحة. تراه حاضرًا عند المكاسب، غائبًا عند التبعات. يلبس لكل مقامٍ لبوسه، ويغيّر لغته بتغيّر الوجوه، حتى يغدو دينه تابعًا لموقعه، لا لمبدئه. وقد وصف القرآن هذا الصنف بدقةٍ حين قال:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (البقرة: 204). هو يُتقن الخطاب، ويُجيد تزويق الكلمات، لكن فعله لا يثبت عند الميزان، ولا يصمد عند الابتلاء.
“أفعاله داخل الصف: كيف يُعطِّل التملّق حركة الدعوة؟”
حين يخطئ القائد، يكون المتملّق أول المبرّرين، وحين يُصاب الصف بخللٍ، يكون أول المتّهمين للناصحين. يُحوِّل الخطأ إلى “اجتهاد مأجور”، والنصيحة إلى “تشغيب”، ويصنع حول القيادة هالةً تمنع المراجعة. ومع الزمن، تتراكم القرارات غير الرشيدة، لأن من حولها لا يرون إلا ما يُرضي.
وقد حذّر الشرع من هذا المسلك التحذير البالغ؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب» (رواه مسلم).
قال النووي: المراد بالمدّاحين الذين يُكثرون المدح في وجوه الناس بما ليس فيهم أو بما يُخشى عليهم منه الفتنة.
“آثاره على المتملِّق نفسه.. خسارة الدين قبل التنظيم”
المتملّق يظن أنه يحمي نفسه، فإذا به يُفسد قلبه. تتآكل نية العبادة، ويحلّ محلها خوف المنصب وفقدان القرب. يعيش ازدواجيةً بين ما يُعلن وما يُبطن، وقد قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (الماعون: 4–6).
والرياء بابٌ واسعٌ للتملّق، وإن لبس لباس الغيرة على الدعوة.
“آثاره على الحركة.. من فساد الخُلُق إلى انحراف المسار”
لا يقف ضرر التملّق عند الأفراد؛ بل يتعدّاهم إلى البنية كلّها. تُعطَّل الشورى، وتُغتال الجرأة، ويُقصى الصادقون، فيفقد الصف ثقته بقيادته، وتتحوّل الرسالة إلى إدارة أزماتٍ داخلية. ومع الوقت، ينحرف المسار عن مقاصده الكبرى: إقامة الدين، وتحقيق العدل، وهداية الناس.
“العلاج الشرعي والتربوي.. إعادة الاعتبار للصدق والنصيحة”
العلاج يبدأ من إحياء فريضة النصيحة، لا بوصفها خصومة، بل عبادة. قال صلى الله عليه وسلم:
«الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم» (رواه مسلم).
ويبدأ كذلك من تربية القادة على سَعة الصدر، فالقيادة التي لا تُنصَح تُوشك أن تُفتن. كما لا بدّ من مأسسة المحاسبة، حتى لا يبقى الصدق شجاعةً فردية، بل ثقافةً عامة.
انظر كيف واجه النبي صلى الله عليه وسلم التملّق عمليًا؟
كان هدي النبى محمد صلى الله عليه وسلم قاطعًا مع التزلف. لم يسمح بمدحه بما يُخرجه عن بشريته، وقال: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» (رواه البخاري). وكان يقبل النصيحة ولو خالفته، كما فعل في بدر والخندق، ويُقدّم الصادق الأمين ولو خالف رأيه. لم يُقصِ ناصحًا، ولم يُكافئ متزلّفًا، فبنى جيلًا يقول الحق، لا جيلًا يُرضي الأشخاص.
“خاتمة”
التملّق آفةٌ تهدم من الداخل، ولا تُرى إلا بعد فوات الأوان. ومواجهته ليست حملة إقصاء، بل مشروع تربية يعيد للصدق مكانته، وللنصيحة قدسيتها، وللمقاصد سلطانها. عندها فقط تستقيم الدعوة، ويصفو الصف، وتعود الحركات الإسلامية قادرةً على حمل الأمانة كما أُريد لها.






