مقالات وآراء

حسام الدين علي يكتب :  ليست رفاهية.. تداول المعلومات ضرورة اقتصادية وسياسية 

في عصرنا الرقمي، أصبحت المعلومات وقود التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وقانون حرية المعلومات استحقاق دستوري يضمن حق المواطنين في الوصول إلى البيانات العامة، مما يدعم الشفافية ويحد من الفساد.

ولدينا في مصر دعم دستوري كبير نُحيي عليه لجنة الخمسين، التي وضعت مادة مهمة ومتقدمة للغاية في هذا الشأن، حيث ينص الدستور في مادته الـ68 بوضوح على إتاحة المعلومات بشفافية، ولكن يظل الغياب غير المبرر أو المفهوم لقانون شامل يضمن حرية تداول المعلومات عقبة أمام الإصلاح الحقيقي لهدا الخلل.

أعضاء لجنة الخمسين التي وضعت الدستور
ضمانة الحكم الديمقراطي

إن لهذا القانون أبعادا كثيرة، فسياسياً يمثل القانون ضمانة للحكم الديمقراطي من خلال تمكين المواطنين من مراقبة صناع القرار، كما يتيح لنواب الشعب والناشطين التحقق من السياسات، ويحد من أي شبهة للاستبداد السياسي بتعريض القرارات للنقاش العام.

أيضا للقانون أثر اقتصادي كبير للغاية، لأن أي دعم لحرية المعلومات يجذب الاستثمارات عبر نشر بيانات السوق والميزانيات، مما يقلل المخاطر، ويحفّز الابتكار، ويزيد شعور المستثمر المحلي والأجنبي بمدى الشفافية الموجودة بالأسواق.

بدونها تعتمد التنمية على التخمينات
أما عن الأثر الاجتماعي لهذا القانون، فإن حرية تداول المعلومات تُمكّن من دعم البحث العلمي، والتخطيط الاجتماعي، فالجامعات والمنظمات تحتاج إلى إحصاءات دقيقة لدراسة الفقر أو التغير المناخي، وغيرها من القضايا، التي تمس كل مواطن، فبدون هذا القانون ستعتمد التنمية على تخمينات غير موثوقة.

ولنا في بعض التجارب العربية والدولية المثل، فقد شهدت دول عربية تقدماً ملحوظا، ففي الأردن تقدم أكثر من 100 ألف طلب وصول سنوياً مما كشف عن قضايا فساد كبرى، وساهم في دعم الإصلاح الإداري بفضل وجود قانون لديهم، منذ أكثر من 20 عاما، وتكرر الشيء نفسه في اليمن، والتي لديها قانون منذ عام 2012 مما ساعد في تعزيز الشفافية، رغم التحديات الأمنية.

تضمن عدالة المساعدات
وساعد القانون في مراقبة المساعدات وتوزيعها بعدالة أكثر على المحتاجين، ولا يجب أن نغفل تجربة تونس، فبعد الثورة، وفي عام 2016 امتلكت قاناون لتداول المعلومات، تلتها المغرب في عام 2018 مما ساهم في مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات العامة ومناخ الاستثمار.

لم أذكر هنا خبرات الدول الديمقراطية، مثل السويد أو كندا أو جنوب إفريقيا، وهى دول ربطت القانون مباشرة بخطط التنمية، وبشكل عملي وموضوعي.

السرية تولّد الشكوك
نحن أيضا نفهم مخاوف الأمن القومي وحساسية بعض المعلومات العسكرية أو الدبلوماسية، لكن القوانين الناجحة تحدد استثناءات ضيقة ومحددة تحمي المعلومات الحساسة، أما فيما يخص البحث العلمي أو البناء السياسي والتشريعي، والتخطيط الاقتصادي، فإنه لا غنى عنه عن معلومات متداولة بحرية؛ فالسرية الكاملة تولد شكوكاً وتضعف الثقة العامة.

أتمنى أن يقوم البرلمان الحالي بإقرار هذا القانون المنتظر من سنوات، وأن يلتزم بالمعايير الدولية، ومبدأ الشفافية، والرد في خلال 20 يومًا، والحد الأدنى من الاستثناءات مع وجود هيئة مستقلة للإشراف على تطبيق هذا القانون.

حرية تداول المعلومات ليست رفاهية، بل ضرورة لديمقراطية ناضجة، واقتصاد قوي، ومجتمع مترابط.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى