شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه نسائية لا تغيب فاطمة أحمد إبراهيم… العدل يُمتحن

كان العدل عندها كلمةً تُختبَر قبل أن تُقال، وموقفًا يُدفَع ثمنه قبل أن يُصفَّق له. لم تُحبّ الشعارات لأنها تعرف هشاشتها، ولم تثق في الوعود لأنها ترى كيف تُسحب عند أول منعطف. كانت فاطمة أحمد إبراهيم تعرف منذ البدايات أن العدل، إذا لم يُعاش، يتحوّل إلى ديكور سياسي جميل بلا روح.

وُلدت فاطمة أحمد إبراهيم عام 1933 في أم درمان، مدينةٍ تُربّي أبناءها على البساطة الصلبة، وتعلّمهم أن الكرامة لا تحتاج زخرفة. في بيتٍ سودانيٍّ تقليدي، تعلّمت أن المرأة — وإن بدت بعيدة عن القرار — هي التي تدفع ثمنه أولًا. هناك تشكّل وعيها المبكر بأن قضية المرأة ليست هامشًا، بل ميزان صدق لكل حديث عن التحرّر.

مع سنوات التشكّل، كان السودان يتهيّأ للخروج من الاستعمار، والأسئلة الكبرى تتزاحم: الاستقلال، الهوية، العدالة الاجتماعية. داخل هذا الزحام، رأت فاطمة أن التحرّر الذي يُقصي النساء ليس تحريرًا كاملًا، وأن الوطن الذي يُبقي نصفه في الظل يعيش بنصف طاقته مهما علا صوته.

دخلت مجال التعليم، فانفتح وعيها على الفجوة بين ما يُقال وما يُمارس. رأت نساءً يعملن ويكافحن، ثم يُطلب منهنّ الصمت حين يُتخذ القرار. لم تقبل هذا التناقض، فاختارت العمل المنظّم، وأسّست مع رفيقاتها الاتحاد النسائي السوداني عام 1952، واضعةً هدفًا واضحًا: نقل المرأة من موقع الرعاية إلى موقع الشراكة.

لم تكن مطالب الاتحاد ترفًا، بل كانت تمسّ الحياة اليومية: التعليم، العمل، الحقوق المدنية، والكرامة الإنسانية. قيل لها إن السياسة “للرجال”، وإن الوقت “غير مناسب”. كانت ترى في هذه العبارات ذريعة أبدية لإبقاء الظلم، فاختارت أن تقول “الآن” حين قيل لها “ليس الآن”.

جاء عام 1965 فدخلت فاطمة التاريخ بوصفها أول امرأة تُنتخب عضوًا في البرلمان السوداني. لم تدخل القبة لتكون صورة، بل لتكون صوتًا. حملت ملفات وأسئلة وقوانين، وتحدّثت عن العمال والفقراء والنساء بلغة الحجة والقانون، لا بلغة الاستعطاف. وجودها هناك كان صدمة هادئة، لكنها عميقة.

في حياتها الخاصة، لم تكن السياسة بعيدة. تزوّجت من النقابي البارز الشفيع أحمد الشيخ، وكانت العلاقة شراكة نضال قبل أن تكون شراكة بيت. غير أن السياسة — حين تنقلب — لا تميّز بين العام والخاص. في عام 1971، وبعد فشل انقلاب سياسي، أُعدم الشفيع، فانفتح جرحٌ لا يُغلق بسهولة.

لم تُحوّل فاطمة الفاجعة إلى خطاب، ولم تتّخذ الحزن سلّمًا للظهور. واجهت الخسارة بصمتٍ صلب، وواصلت الطريق، كأنها تقول إن العدل الذي طالبت به في البرلمان يُطالَب به الآن في حياتها الشخصية. كان الاستمرار أصعب من الانهيار، لكنه كان الخيار الوحيد المنسجم مع ما آمنت به.

تعاقبت الانقلابات في السودان، وتبدّلت الوجوه، وبقيت فاطمة على خطٍّ واحد: الدفاع عن الحريات، وحقوق النساء، وكرامة العمل النقابي. تعرّضت للملاحقة والسجن والمنع من السفر. وفي عام 1990، اضطرت إلى المنفى، لا لأنها هُزمت، بل لأن البقاء صار مستحيلًا دون تنازل.

المنفى ليس مكانًا، بل حالة اقتلاع. في لندن، واصلت فاطمة عملها، تكتب وتنظّم وتذكّر بأن القضايا لا تنتهي عند الحدود. كانت تعرف أن الغياب القسري لا يلغي الحضور المعنوي، وأن الفكرة — إذا كانت عادلة — تجد طريقها ولو من بعيد.

عادت إلى السودان في سنواتها الأخيرة، وقد أثقلها المرض وأتعبتها المسافة. لم تعد تلك الشابة التي تقتحم البرلمان، لكنها بقيت المرأة التي لا تُساوم على المعنى. رحلت عام 2017، بهدوءٍ يشبه طريقتها في العيش، بلا ضجيج، وبلا ادّعاء بطولة.

لم تحبّ لقب “رمز”، لأن الرمز قد يُريح الآخرين من واجبهم. كانت تريد فعلًا مستمرًا، وعدلًا يُمارَس، لا صورة تُعلّق. بهذا الفهم بدت صارمة أحيانًا، لكنها كانت تعرف أن الليونة الزائدة تُفرغ الفكرة من مضمونها.

ليست كل البطولات لحظات خاطفة، وبعضها مسارات طويلة تُختبَر فيها القناعة مرة بعد مرة. وفاطمة أحمد إبراهيم كانت واحدة من اللواتي عشن العدل امتحانًا يوميًا، ودفعن ثمن النجاح والإخفاق معًا، دون أن يتخلّين عن الفكرة.

هكذا بقيت فاطمة أحمد إبراهيم وجهًا لا يغيب، لا لأنها وصلت إلى نهاية الطريق، بل لأنها ظلّت تمشي فيه حتى آخر القدرة، تاركةً لنا سؤالًا مفتوحًا: هل يمكن للعدل أن يكون ممارسة، لا شعارًا

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى