مقالات وآراء

د. عبد الفتاح طوقان يكتب: رحل الوطني الغيور مدير المخابرات ورئيس الوزراء الأردني أحمد عبيدات

رحيلُ رئيسِ الوزراء الأسبق ومديرِ المخابرات العامة أحمد عبيدات، المعروف بـ“أبو تامر”، خسارةٌ كبيرةٌ للأردن. فقد كان شخصيةً محورية في تاريخ البلاد، اتّسم بسماتٍ نبيلة وأخلاقٍ وطنية تجلّت في مسيرته الحافلة بالعطاء، وفي أحاديثه الجريئة التي لم يجرؤ كثيرون على الخوض فيها. من تلك الأحاديث ما وثّقه تلفزيون العربي حول الشريف ناصر بن جميل، ووادي عربة، ودور الصهيونية وإسرائيل وخطورة ذلك على الأردن.

بدأت معرفتي بأبي تامر من خلال طبيب الملكة رانيا، زوجة الملك عبد الله بن الحسين، الدكتور محمد أبو لغد، وشقيقه صاحب محلات أبو لغد للذهب في جبل الحسين، وذلك حين كان أحمد عبيدات لا يزال عقيدًا في دائرة المخابرات العامة. وقد عاد إلى مكتبه بعد أن اختطفته المنظمات الفلسطينية خلال أحداث أيلول الأسود، عقب إطلاق النار على مضر بدران “أبو عماد”، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء.

كان من بين القضايا التي تابعها ملف الدكتور محمد أبو لغد، الذي كان يعمل في الكويت ويتبرع سنويًا لمنظمة التحرير الفلسطينية، شأنه شأن كثير من الفلسطينيين العاملين آنذاك. وكان كلما حضر إلى الأردن لقضاء إجازته الصيفية يُستدعى إلى دائرة المخابرات للتحقيق، ويُحتجز جواز سفره في المطار أكثر من مرة. ورغم ما تعرّض له أحمد عبيدات نفسه من اختطاف على يد منظمات فلسطينية، فإنه لم يحمل أي ضغينة أو تحامل تجاه الأردنيين من أصول فلسطينية، بل قام بإبراء ذمة الدكتور محمد أبو لغد، وأعاد له جواز سفره، ولم يعد هناك أي سبب لاستدعائه أو التحقيق معه إلى أن توفاه الله في عمّان. لقد عاش أحمد عبيدات مدافعًا عن الأردن وفلسطين معًا، حتى آخر أيامه.

توطدت علاقتي به مع مرور الزمن، إلى أن أصبح مديرًا للمخابرات، فزرته مرارًا في منزله بعمان وفي مكتبه القانوني المقابل لمجمع النقابات. وكان للقراءة دورٌ أساسي في هذه العلاقة؛ فقد كان قارئًا نهمًا، ويعرف شغفي بالكتاب. وفي عام 1992، خلال عزاء لدى آل الهلسة الكرام، ذكر أنه سمع بكتاب «الخيانة العربية الكبرى: كتاب الهاشميين الأسود من الشريف إلى الملك» للمؤلف أحمد رائف، وهو كتاب نقدي حاد لتاريخ الهاشميين ودورهم في الثورة العربية الكبرى وتاريخ الأردن وفلسطين، ولم يكن قد مضى على صدوره في القاهرة أكثر من شهر، ولم يتمكن من الحصول عليه لنفاد طبعته الأولى. أخبرته أن لدي نسخة قرأتها في منزلي، فاصطحبني بسيارته إلى الشميساني، وأعطيته الكتاب، وجعل سائقه يقود سيارتي، وتناقشنا مطولًا في رؤية المؤلف، وانتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين في مصر.

لاحقًا، وأثناء عملي بالتدريس في الجامعة الأردنية، كانت ابنته سناء من بين الطلبة، وكان قد أصبح محاميًا مسجّلًا. وفي إحدى زياراتي له في مكتبه سألني عن كتاب سلمان رشدي «الآيات الشيطانية»، فأحضرته له، كما قدّمت له كتاب بوب وودوورد «الحجاب»، الذي تناول فيه التمويل الذي كانت تقدّمه المخابرات الأمريكية لمكافحة الشيوعية.

عرض عليّ لاحقًا منصب مدير ديوان الخدمة المدنية، بعد تواصل شقيقة دولة وصفي التل، وقابلت حينها معالي إبراهيم عز الدين، غير أن العرض ترافق مع نصيحة صريحة بمغادرة الأردن وعدم الاكتراث لأي منصب حكومي أو وزاري. قلت له يومها: «دولة الرئيس، أنا عاشق لتراب الأردن، ومثلي مثل السمكة إن خرجت من البحر ماتت؛ والأردن هو البحر الذي أعشق الحياة فيه». فأجابني: «الهاشميون لا يحبون من يعشق تراب الأردن ويخلص له ولهم، بل يفضلون من يعارضهم ويشترونه. نصيحتي لك أن تغادر؛ باب الرزق بيد الله، وأنت كفؤ ونشيط، والمستقبل أمامك». استمعت لنصيحته وغادرت، ثم عاتبتني السيدة وصفيّة التل على ذلك، وعاتبت أحمد عبيدات لاحقًا.

طوال مسيرته، كان أحمد عبيدات نموذجًا في الوطنية والدفاع عن تراب الأردن، لم يخضع ولم يساوم، ولم يسقط كما سقط غيره من رؤساء الحكومات طمعًا في المنصب أو البقاء في السلطة. تآمرت عليه مجموعة منتفعة كانت قريبة من الملك الحسين، خشيت عزيمته في مكافحة الفساد وملف “من أين لك هذا”، فكانت النتيجة خروجه من رئاسة الحكومة. وزاد على ذلك موقفه الصريح من عدم مصداقية إسرائيل في السلام الذي تدّعيه، إذ وقف ناصحًا ومعترضًا، سواء وهو في أعلى السلطة أو بعد خروجه منها.

وأذكر له قولًا سمعته في منزل الدكتور المهندس سامي الرشيد، في جلسة ضمت وزراء ونوابًا ومثقفين، قال فيه: «نبّهني الملك الحسين لأنني اخترت المهندس ليث شبيلات عضوًا في المجلس الوطني الاستشاري لبلاغته وارتفاع سقف معارضته السياسية قبل العودة إلى الانتخابات».

كما عبّر عن رأيه بأن من الخطأ قبول الدكتور خالد طوقان حقيبة وزارة التربية والتعليم، لما يمتلكه من علم وثقافة وخبرة في الهندسة النووية.

عندما كُلِّف بتشكيل الحكومة، تولّى رئاسة الحكومة الثالثة والسبعين في تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية في العاشر من كانون الثاني/يناير عام 1984، بإرادة ملكية سامية من جلالة الملك الحسين بن طلال، رحمه الله. وقد استمرت هذه الحكومة في أداء مهامها حتى الرابع من نيسان/أبريل عام 1985.
وفي التعديل الوزاري الذي أُجري في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 1984، جرى تعيين عبد الله النسور وزيرًا للتخطيط، وهو تعيين شكّل منعطفًا مفصليًا في مسيرته السياسية، ومهّد له الطريق لاحقًا لتولّي رئاسة الوزراء.

وحين آل لعبد الله النسور أن يترأس الحكومة السابعة والتسعين في تاريخ المملكة في الحادي عشر من تشرين الأول/أكتوبر عام 2013، سعى إلى تعيين تامر أحمد عبيدات وزيرًا، وفاءً لجميل أحمد عبيدات الذي سبق أن اختاره وزيرًا في إحدى الحكومات السابقة. غير أنّ تامر اعتذر عن قبول المنصب، التزامًا بتوجيه صريح من دولة أحمد عبيدات، الذي أبى أن يُورِّث ابنه موقعًا وزاريًا، رافضًا نهج المحاباة الذي انساق إليه بعض رؤساء الحكومات السابقين واللاحقين.
ويُجسّد هذا الموقف صورة رجل دولة نزيه، طاهر الكف، مترفّع عن شُبهات الفساد، ومتمايزًا عن غيره من السياسيين الذين مرّوا على موقع رئاسة الوزراء مثقلين بما شابه من شوائب ومآخذ.

وكان موقفه واضحًا أيضًا في قضية مدير المخابرات الأسبق الفريق سميح البطيخي، التى عرفت بقضية التسهيلات الائتمانية، إذ ترافع ودافع عنه امام المحكمة التى شكلت في دائرة المخابرات العامة وترأسها نائب مدير المخابرات اللواء سميح عصفوره انطلاقًا من إيمانه ببراءته من التهم التي وُجّهت إليه ونجح في دفع التهم الثانية و الثالثه والتقليل من الاولى التى يثار خولها العديد من الأقاويل .ومدى صحتها . أما وقوفه إلى جانب أبناء الشعب معارِضًا الاستسلام ومعاهدة وادي عربة، وتعرّضه للرش بالمياه والغازات وهو جالس على الأرض إلى جانب ليث شبيلات ورياض النوايسة، فدليلٌ ساطع على عمق انتمائه للأرض والشعب.

إن أحمد عبيدات، وإن تشابه مع غيره من قلة من القادة العسكريين العرب الشرفاء والمخلصين لاوطانهم وعروبتهم ومبادئهم، التى تعارضت مع حكام بلدانهم لكنهم ثبتوا على مواقفهم الوطنية وكانوا مثالا في المواقف التاريخية الوطنية، فهو بكل الاحوال لا يقل شأنًا عن الفريق سعد الدين الشاذلي بطل حرب 1973 وما تعرّض له مع الرئيس أنور السادات، كما يشبه الفريق سوار الذهب في السودان الذي لم تُغره السلطة.

رحمك الله يا أبا تامر. ستبقى في قلب الشعب الأردني الحرّ العظيم، رمزا وطنيا كبيرا وسيكتب التاريخ أنك كنت رجلًا وطنيًا في زمنٍ عزّ فيه الرجال الشرفاء.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى