شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب : وجوه لا تغيب في الذكرى97 لمولده …من قتل جمال حمدان ؟

لا يموت العاشقون لمصر ميتةً عادية.
يموتون غالبًا غرباء عن وطنهم،
محاطين بالأسئلة، وملفوفين بالصمت،
كأن الوطن والحقيقة التي أحبوها أكثر مما ينبغي تنتقم منهم.

في الذكرى السابعة والتسعين لميلاده، يعود جمال حمدان
لا بوصفه عالم جغرافيا،
بل بوصفه ضمير مكان
قرأ مصر كما تُقرأ الروح،
ودفع ثمن القراءة حتى آخر العمر.

وُلد جمال حمدان في 4 فبراير 1928 بقرية ناي، مركز قليوب.
كان أبوه مدرسًا للغة العربية،
فكبر الصبي بين الكلمة والمعنى،
وبين الخريطة والجملة.
تعلّم مبكرًا أن اللغة لا تصف العالم فقط،
بل تفضحه.

التحق بمدرسة التوفيقية بشبرا،
وحصل على التوجيهية عام 1943،
ثم دخل كلية الآداب – قسم الجغرافيا بجامعة القاهرة.
لم يتعامل مع الجغرافيا بوصفها خطوطًا وحدودًا،
بل بوصفها تاريخًا يمشي على الأرض.

عُيّن معيدًا بالكلية،
ثم أُوفد في بعثة إلى بريطانيا،
حيث نال الدكتوراه من جامعة ريدنج عام 1953
عن أطروحة بعنوان:
«سكان وسط الدلتا قديمًا وحديثًا».
هناك، في قلب الغرب،
بدأ يفهم كيف تُدار المعرفة كسلطة.

عاد إلى جامعة القاهرة، وأصدر كتبًا لافتة:
جغرافيا المدن،
المظاهر الجغرافية لمدينة الخرطوم،
دراسات عن العالم العربي،
نال بها جائزة الدولة التشجيعية.
لكن هذه كانت مجرد تمهيد.

الكتاب الذي سيغيّر كل شيء جاء لاحقًا:
«شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان».
أربعة أجزاء،
ليست جغرافيا فقط،
بل تاريخ وحضارة وسياسة واستعمار ومستقبل.
قرأ فيه مصر منذ الفراعنة،
حتى صارت—في تحليله—
أكبر مستعمرة في التاريخ.
كتب بعلم العالم،
وبلغة الأديب،
وبجرأة من لا يخشى العزلة.

في كتابه «أنثروبولوجيا اليهود»،
فجّر واحدة من أخطر القنابل الفكرية،
حين فضح أكذوبة أن يهود فلسطين
هم أحفاد بني إسرائيل القدماء،
مبيّنًا بالأدلة التاريخية والأنثروبولوجية
أن الغالبية تنتمي إلى أصول أخرى.
كانت هذه معركة بلا سلاح،
لكنها أخطر من الرصاص.

خاض جمال حمدان معركته الفكرية
بالتوازي مع عبد الوهاب المسيري،
الأول يفكك الصهيونية من المكان،
والثاني من الفكرة.
وتنبّأ مبكرًا بانهيار الاتحاد السوفيتي،
وبأن الغرب سيصنع عدوًا جديدًا:
العالم الإسلامي،
وسيستعين في مواجهته
حتى بأعدائه القدامى.

لكن المجتمع لا يغفر دائمًا لمن يرى أبعد منه.
حين تقدّم للحصول على درجة أستاذ مساعد،
تم تجاوزُه لصالح من هو أقل منه علمًا ومدة.
لم يحتج،
لم يساوم،
قدّم استقالته،
واختار العزلة.

فرض على نفسه عزلةً كاملة،
حتى عن أسرته.
وأعلن—بمرارة العارف—
أنه لن يخرج من عزلته
حتى ينصلح حال المجتمع،
وهو يعلم أنه لن ينصلح.

عاش سنواته الأخيرة
وحيدًا في شقته بـ الدقي،
يكتب،
ويحذف،
ويعيد الصياغة،
كأن الزمن نفسه لا يرضيه.
وكان يكتب—بحسب المقربين—
كتبًا أخطر مما نُشر.

جاءت النهاية مأساوية كما الحياة.
في إبريل 1993،
تلقت المطافئ بلاغًا بحريق في شقة.
وجدوا جمال حمدان محروقًا.
لم يمت اختناقًا بالغاز،
ولا كانت الحروق كافية للوفاة،
وفق تقرير الدكتور يوسف الجندي مفتش صحة الجيزة.

الأكثر غموضًا
اختفاء مسودات كتب كاملة،
أهمها ما كان يكتبه عن
اليهودية والصهيونية،
رغم أن النار لم تمسّ أوراقه الأخرى.
اختفت المسودات،
وبقي السؤال.

قال أمين هويدي رئيس المخابرات الأسبق
إن لديه ما يثبت أن الموساد
هو من اغتال جمال حمدان.
وقال محمد حسنين هيكل:
«جمال بطل القرن العشرين…
خجول في الحياة،
نمر على الورق،
ولن يموت موتة طبيعية.»

هكذا انتهت الحكاية،
أو هكذا توقفت.
عاش جمال حمدان
كما عاش كل من أحب الحقيقة أكثر من اللازم:
مُحاصرًا،
مُساء فهمه،
ومدفوعًا إلى الهامش.

وجوه لا تغيب…
لأن بعض العقول
لا يُحتمل وجودها طويلًا.
ولأن من يقرأ الأوطان بعمق،
يدفع ثمن القراءة وحده.

رحم الله جمال حمدان،
العاشق الذي
لم يمت جغرافيًا…
بل قُتل لأن الخريطة
كانت أصدق من الرواية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى