
لا تُقاس جدية مسارات العدالة الانتقالية بجودة النصوص القانونية وحدها، بل بالمنهجية التي تُصاغ بها، وبمدى انفتاحها على المجتمع الذي يُفترض أن تُنصفه. وفي هذا السياق، تبرز الإشكالية الجوهرية في النقاش الدائر حول قانون العدالة الانتقالية في سوريا اليوم، لا بوصفها خلافًا تقنيًا أو قانونيًا حول الصياغات، بل بوصفها أزمة عميقة تتعلق بشرعية المسار نفسه، وبالطريقة التي يجري فيها تداوله خلف أبواب مغلقة، بعيدًا عن أعين الضحايا والمجتمع.
إن العدالة الانتقالية، وفق المعايير الدولية المستقرة، ليست مشروعًا إداريًا مغلقًا، ولا اختصاصًا حصريًا لهيئات أو نخب قانونية بعينها، بل هي عملية مجتمعية شاملة، تهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة، وكشف الحقيقة، وضمان المساءلة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وهذه الغاية تفقد معناها عندما تُدار العدالة بمنطق الخصخصة، وتُختزل في دوائر ضيقة تُقصي أصحاب المصلحة الحقيقيين.
تكمن خطورة المسار الحالي في تحويل قانون العدالة الانتقالية من “ملكية عامة” إلى “ملف خاص”، تُدار نقاشاته في الغرف المغلقة، ويُرسم مساره عبر مشاورات انتقائية تفتقر إلى الشفافية والمعايير المعلنة. فالعدالة التي تُصاغ في الظل لا يمكن أن تؤسس لثقة عامة، لأن أحد أعمدتها الأساسية هو الحق في المعرفة، وهو حق لا يتحقق إلا من خلال نقاش علني مفتوح يتيح للمجتمع الاطلاع والمساءلة والمشاركة.
إن حصر الحوار في أسماء محددة، دون توضيح الأسس التي تم اعتمادها في اختيارها، ودون تمثيل حقيقي للضحايا أو لمختلف أطياف المجتمع المدني، يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا المسار وأهدافه. فالمشكلة لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بالمنهجية، لأن غياب الشفافية يفتح الباب أمام الشك في أن الاعتبارات الشخصية أو السياسية قد طغت على معايير الكفاءة والاستقلال والتمثيل.
من هذا المنطلق، يصبح طرح الأسئلة واجبًا حقوقيًا لا يمكن تجاهله. على أي أساس تم اختيار المشاركين في صياغة هذا القانون؟ ولماذا أُشركت جهات معينة واستُبعدت أخرى دون تفسير علني؟ وهل تم النظر إلى العدالة الانتقالية باعتبارها حقًا جماعيًا، أم باعتبارها ملفًا يمكن إدارته بمنطق التوازنات والاصطفافات؟ هذه الأسئلة لا تهدف إلى التعطيل أو التشكيك، بل إلى حماية المسار من الانحراف، لأن أي مسار عدالة يفتقر إلى النزاهة الإجرائية محكوم بفقدان شرعيته، مهما حسنت نواياه.
تؤكد التجارب الدولية، كما تؤكد الأمم المتحدة والمراكز الحقوقية المتخصصة، أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تنجح إذا فُرضت من الأعلى أو أُديرت بمنطق الوصاية. فهي عملية تشاركية بطبيعتها، تقوم على إشراك الضحايا بوصفهم محور العدالة، وإشراك المجتمع المدني بوصفه الضامن للاستقلالية والرقابة، وإتاحة المجال أمام النقاش العام بوصفه شرطًا لبناء الثقة ومنع تكرار الانتهاكات.
إن القانون الذي يُبنى بمنطق الإقصاء لا يعالج الماضي، بل يعيد إنتاج أسبابه. فبدل أن يكون أداة للإنصاف، يتحول إلى مصدر جديد للإحباط والشعور بالظلم، ويُضعف فرص المصالحة المجتمعية الحقيقية. أما القانون الذي يُبنى على المشاركة والشفافية، فيمكن أن يشكّل نقطة انطلاق نحو عقد اجتماعي جديد، يؤسس لدولة تقوم على المساءلة وسيادة القانون، لا على الامتيازات والصفقات.
من هنا، فإن الاعتراض على “الغرف المغلقة” لا يُعد موقفًا سياسيًا، بل موقفًا حقوقيًا مبدئيًا. فالعدالة ليست امتيازًا تمنحه نخبة لنخبة، ولا ملفًا يُدار بعيدًا عن الرقابة الشعبية، بل حق أصيل للمجتمع، وخصوصًا للضحايا الذين تحملوا العبء الأكبر من الانتهاكات. وأي مسار عدالة يُدار في الظل، سيبقى ظلًا، عاجزًا عن تحقيق إنصاف حقيقي أو إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن قانون العدالة الانتقالية، قبل أن يكون نصًا قانونيًا، هو اختبار أخلاقي وسياسي لاحترام كرامة الإنسان وحقه في المعرفة والمشاركة. وإما أن يُصاغ بوصفه ملكية عامة، في إطار نقاش شفاف وتشاركي، أو يتحول إلى مشروع مغلق يفقد العدالة معناها، ويُفوّت على سوريا فرصة حقيقية لمواجهة ماضيها وبناء مستقبل مختلف.
لا للغرف المغلقة.
العدالة حق، وليست امتيازًا.







