
في عالمٍ سياسيٍّ مضطرب، تختلط فيه المصالح بالمواقف، وتغيب فيه البوصلة الأخلاقية كثيراً، يندر أن تصادف شخصية تجمع بين الصلابة السياسية والاتزان الإنساني.
منير عبد النور واحد من هؤلاء القلائل.
هو سياسي بمعنى الكلمة، لا بالمعنى الشائع الذي اختزل السياسة في المناورة أو الصراع، بل بالمعنى العميق: وضوح في الرؤية، ثبات في القيم، وقدرة على الاختلاف دون خصومة، وعلى المعارضة دون عداء.
لا تعاني السياسة في مجتمعاتنا من غياب الفاعلين، بقدر ما تعاني من غياب النموذج.
فالأزمة ليست فقط في السياسات، بل في الفكرة التي تضبط الممارسة السياسية ذاتها. حين تختلط الدولة بالحكومة، والمعارضة بالخصومة، والهوية بالسلطة، و تفقد السياسة معناها بوصفها فعلًا عقلانياً أخلاقياً، وتتحول إلى ساحة صراع أو إدارة مصالح.
في هذا السياق الملتبس، تبرز تجربة منير عبد النور بوصفها تجربة تستحق التوقف والتحليل، لا لأنها خالية من الجدل، بل لأنها تقدم نموذجًا نادرًا للسياسة كفكر منضبط بالقيم، لا كغريزة صراع أو أداة انتفاع.
السياسة بوصفها مسؤولية لا غنيمة:
منير عبد النور سياسي بالمعنى العميق للكلمة.
ليس سياسياً لأن له موقعاً، بل لأن له رؤية، وميزاناً أخلاقياً، وقدرة على التمييز بين الثابت والمتغير، وبين الدولة والسلطة، وبين الخلاف والعداء.
عرفته صديقاً قبل أن يكون رفيق مسار سياسي، فوجدته إنساناً مستقراً، متوازناً، ناجحاً في حياته الاقتصادية دون أن تفسده السياسة، ومتصالحًا مع ذاته ومع الآخرين. لكن الأهم أنه يحمل منظومة قيم إنسانية واضحة: المحبة، العدالة، الرقي، التسامح، الصدق، الكرم، والإيجابية — لا كشعارات، بل كسلوك يومي، بتواضع وجمال.
المعارضة: وظيفة دستورية لا حالة نفسية
حين تزاملنا داخل البرلمان، عام ٢٠٠٠ كان منير عبد النور زعيماً للمعارضة، ممثلًا لحزب الوفد في واحدة من أكثر لحظاته حيوية. لم يتعامل مع المعارضة باعتبارها نفياً للنظام أو صداماً مع الدولة، بل بوصفها وظيفة وطنية ضرورية لتوازن المجال العام.
كان يميز بوضوح بين: شرعية الدولة، وشرعية الحكومة، وشرعية السياسات العامة.
هذا التمييز — الذي يبدو بديهياً في النظم الراسخة — كان ولا يزال غائبًا في كثير من ممارساتنا السياسية في مصر ، حيث يتحول النقد إلى هدم، والمعارضة إلى عداء.
اختلاف المسارات… وتكامل الغايات
اخترتُ أنا العمل السياسي من داخل النظام الحاكم، ساعيًا إلى إصلاحه من الداخلً ، واختار هو العمل من داخل المعارضة الحزبية.
بدت المسارات مختلفة، وربما متناقضة في الظاهر، لكن ما جمعنا كان أوسع من الانتماء الحزبي، وأعمق من المواقع.
داخل البرلمان، كنا نموذجاً استثنائيًا لإدارة الاختلاف: اختلاف في الوسائل، لا في الغايات؛ وتباين في المواقع، لا في الانتماء الوطني.
كانت جلستنا متجاورين أحياناً تثير التساؤل من جانبي الحزب الوطني والمعارضة.
هذه التجربة تقدم درسًا مهمًا: ليست المشكلة في اختلاف المواقع، بل في اختلاف المقاصد.
وحين تتوحد الغاية الوطنية، يصبح تنوع المسارات مصدر قوة لا انقسام.
الليبرالية كمنهج عقلاني لا كشعار:
ينتمي منير عبد النور إلى المدرسة الليبرالية المصرية الرشيدة، التي ترى في الدولة المدنية الحديثة إطاراً جامعاً للتعدد، لا أداة إقصاء ولا ساحة صراع هويات.
إجتمعنا في تجربة جمعية النداء الجديد، في التسعينات ، وقبل دخولنا البرلمان ، وسعينا معًا — ومع آخرين — إلى صياغة نموذج سياسي واقتصادي يتجاوز الاستقطاب الأيديولوجي، ويضم أطياف التوجهات المختلفة في مصر.
لم يكن الهدف خلق كيان سياسي، بل بناء فكرة وطنية جامعة.
في هذه التجربة، لم يكن أسير موقف حزبي ضيق، بل حاضرًا بعقل منفتح، قادر على الحوار والتوافق دون التفريط في القناعات الأساسية. وهنا تتجلى قيمة السياسي المحترم : أن يعرف متى يتمسك بالمبدأ، ومتى يفتح باب التلاقي.
أربع لحظات كاشفة في المسار السياسي لمنير عبد النور:
تتجلى استثنائية هذه التجربة بوضوح عند التوقف أمام أربع لحظات مفصلية شكّلت اختبارات حقيقية للموقف والمبدأ:
أولها زعامة المعارضة البرلمانية حين مارس المعارضة بوصفها عقلًا نقديًا مؤسسياً، لا أداة تعطيل، مؤكداً أن وظيفة البرلمان هي الموازنة بين السلطة والمساءلة.
ثانيها حين رفض الاستقطاب الطائفي في عهد الإخوان حيث رفض بشجاعة محاولات استقطابه كقبطي مصري داخل منظومة حكم الإخوان، إدراكًا منه لخطورة توظيف الهوية الدينية كأداة سياسية تُستخدم لخداع المجتمع والعالم، وتقويض فكرة الدولة الوطنية ذاتها.
ثالثها : حين تولي المسؤولية الوزارية بعد ثورة يناير في واحدة من أعقد الفترات التاريخية، حافظ أثناءها على ثبات موقفه الأيديولوجي الليبرالي المدني، رافضاً تسييل المبادئ تحت ضغط اللحظة أو إغراء السلطة.
رابعها : عودته إلى المعارضة المتزنة حين رأي اهتزاز نموذج الدولة المدنية الحديثة وعدم الفصل بين السلطات وغياب المساءلة والمحاسبية، تأكيدًا على أن الولاء الحقيقي ليس للسلطة، بل للفكرة.
الاتساق بين الفكر والسلوك
ما يجعل تجربة منير عبد النور قابلة للدراسة ليس ادعاء الكمال، بل الاتساق.
اتساق بين الفكر والممارسة، بين الخطاب والسلوك، بين السياسة والحياة الخاصة.
نجح منير اقتصادياً دون أن تتحول السياسة إلى وسيلة انتفاع، وعارض دون أن يكره، وانتقد دون أن يهدم. هذا الاتساق هو جوهر السياسة الرشيدة، وهو ما نفتقده في بيئات تكافئ التلون وتعاقب الثبات.
ينتمي منير عبد النور إلى ما يمكن تسميته بالليبرالية المصرية الرشيدة؛ ليبرالية لا تكتفي بشعارات الحرية، ولا تُقدّس السوق على حساب العدالة الاجتماعية، بل ترى في الدولة المدنية الحديثة إطارًا جامعًا للتعدد.
في تجربة جمعية النداء الجديد، برز هذا التوجه بوضوح، حيث سعينا لصياغة نموذج سياسي-اقتصادي يضم أطيافًا فكرية متعددة، متجاوزين الاستقطاب الأيديولوجي، في محاولة واعية لبناء فضاء وطني مشترك.
الصداقة: قيمة إنسانية في قلب السياسة
بعيدًا عن المواقع، إستمرت بيننا صداقة عبر الزمن، لم تتأثر بتغير الظروف ولا بتباين الأدوار.
صداقة قائمة على الاحترام المتبادل، والثقة، وصدق النية والمحبة.
في عالم سياسي كثيرًا ما تتحول فيه العلاقات إلى أدوات، كانت هذه الصداقة رصيداً إنسانياً لنا معاً، وحاجزاً أخلاقياً
يحمي الاختلاف من التحول إلى خصومة، ويحفظ للحوار معناه حتى في أصعب اللحظات.
خاتمة: لماذا تُدرَّس هذه التجربة؟
تكمن أهمية تجربة منير عبد النور في كونها تجربة قابلة للتعلّم.
فهي تطرح أسئلة مركزية أمام دارسي الفكر السياسي:
كيف تُمارَس المعارضة دون هدم؟
كيف يُدار الاختلاف داخل الدولة الواحدة؟
وكيف يمكن للسياسة أن تبقى إنسانية دون أن تفقد فعاليتها؟
لا تعاني السياسة في المجتمعات الانتقالية من ندرة الفاعلين، بقدر ما تعاني من غياب النموذج المرجعي القادر على الجمع بين العقلانية السياسية والاتساق الأخلاقي. وحين يختلط مفهوم الدولة بالحكومة، وتُختزل المعارضة في الخصومة، يصبح البحث عن تجارب قابلة للتعلّم ضرورة فكرية لا ترفًا أكاديميًا.
ضمن هذا الإطار، تكتسب تجربة منير عبد النور أهمية خاصة، لا بوصفها مسيرة فردية، بل كنموذج تطبيقي لفكرة نادرة في المجال السياسي العربي:
السياسة كفعل عقلاني منضبط بالقيم، لا كغريزة صراع أو أداة انتفاع.
في زمن اختلطت فيه المفاهيم، تبقى هذه التجربة شاهدًا على أن السياسة — حين تُمارَس كفكر ومسؤولية أخلاقية — يمكن أن تكون أداة بناء، لا مجرد ساحة صراع.







