
في مثل هذه الساعات ، قبل عشرين عامًا، رحل الأستاذ عادل عيد.
لم يرحل كنائبٍ سابق، ولا كقاضٍ خرج من منصته، بل رحل كمدرسة أخلاقية كاملة مرّت من تحت قبة البرلمان، وتركت أثرها، ثم مضت في هدوء يليق بالكبار.
لا أستعيده اليوم من باب الحنين، بل من باب الحاجة.
الحاجة إلى نموذجٍ نادر، أثبت أن المعارضة يمكن أن تكون مؤلمة دون أن تكون فظة، وأن الكلمة حين تخرج نظيفة، تصيب أكثر من ألف صرخة.
كان الأستاذ عادل عيد قاضيًا في ستينيات القرن الماضي، حتى جاءت مذبحة القضاء.
فأُخرج من المنصة لا لأنه أخطأ، بل لأنه استقلّ. خرج من القضاء كما يخرج الأحرار: مرفوع الرأس، مستقيم السيرة.
منذ 1970، ارتدى روب المحاماة لا بوصفه مهنة، بل رسالة.
صار من كبار المحامين المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة وعفة اللسان، حتى في أشد لحظات الخصومة. معارضًا شرسًا، نعم، لكنه كان مهذبًا حدّ الصرامة.
عرفته الأجيال نائبًا برلمانيًا عن باب شرق الإسكندرية.
المدينة التي أحبها ومثّلها كما تُمثَّل المدن العريقة: بلا ضجيج، وبلا مزايدة. نائبًا يحظى باحترام خصومه قبل أنصاره، حتى إن بعض من خالفوه الرأي كانوا يعودون إليه طلبًا للمشورة القانونية.
في عهد السادات، كان من أوائل من دفعوا ثمن المعارضة الصريحة.
اعتُقل في قرارات سبتمبر 1981، ولم يبدّل موقفه، ولم يراجع لغته، ولم يتاجر باعتقاله. ظلّ ثابتًا، كأن السجن محطة عابرة في طريق أطول.
رفض الوزارة حين عُرضت عليه.
اختار البقاء تحت القبة، قريبًا من الناس، بعيدًا عن إغراء السلطة. كانت السياسة عنده تكليفًا لا تشريفًا، وموقعًا للمساءلة لا للامتياز.
من أشهر مواقفه البرلمانية استجوابه التاريخي للشيخ محمد متولي الشعراوي.
حول ملف الفساد في هيئة الأوقاف. لم يكن الاستجواب هجومًا على شخص، بل دفاعًا عن فكرة المحاسبة، حين قال عبارته التي بقيت شاهدًا:
«السكوت عن الحق يا مولانا… جريمة!»
وكان من أوائل من تقدّموا بإجراء رقابي ضد ممارسات جمال مبارك داخل البرلمان.
متسائلًا بوضوح قانوني: بأي صفة يمارس السلطة من لا موقع له ولا مسؤولية يُسأل عنها؟
سؤالٌ سبق زمنه… ودفع صاحبه ثمن السبق.
حاول البعض إلصاقه بتنظيم جماعة الإخوان المسلمين، لكن الوقائع كذّبت الادعاء.
دفع التنظيم مرشحين ضده أكثر من مرة في دائرته، ما كشف زيف الاتهام. كان الرجل صاحب رؤية إسلامية مستنيرة، وممارسة مدنية ديمقراطية مستقلة عن أي تنظيم أو أيديولوجيا.
بيني وبينه، لم تكن العلاقة سياسية فقط، بل تكوينية.
من الأسرار التي لم أكشف عنها كثيرًا، أن كتابه «المضابط تتكلم» كان أول تماس مباشر لي مع الحياة البرلمانية…
في هذا الكتاب، رأيت البرلمان كما يجب أن يكون.
رأيت اسمي محتملًا بين السطور، ورأيت المضابط وهي تتكلم فعلًا، لا بالضجيج، بل بصوت الحق.
كانت بينه وبين والدي زمالة مهنية وبرلمانية قائمة على الاحترام والتقدير.
ثم جاء القدر، فتشرفتُ أنا أيضًا بهذه الزمالة، مهنيًا وبرلمانيًا…
أول لقاء وجهاً لوجه بيننا كان في مؤتمرات اتحاد المحامين العرب.
مرة في الكويت، وأخرى في المغرب…
تعلمت من الأستاذ عادل عيد أن المعارضة ليست صياحًا.
ولا تجاوزًا في اللفظ…
في عام 2000، عشية بدء فصل تشريعي جديد، قررنا خوض معركة رئاسة المجلس.
في 2005، حين اعتُقلت من داخل البرلمان، لم يتردد.
قرر أن يكون محامي الدفاع عني…
حتى خصومه احترموه.
تجمعنا مقابر المنارة بالإسكندرية.
عاش الأستاذ عادل عيد حرًّا، ومات شريفًا.
لم يترك ثروة، لكنه ترك معيارًا. ولم يخلّف حزبًا، لكنه خلّف ضميرًا.
وجوه لا تغيب…
لأن بعض الرجال لا يُقاسون بعدد المقاعد،
بل بثبات الموقف.
ولأن السياسة، حين تفقد أخلاقها،
تبحث طويلًا عن أمثال الأستاذ عادل عيد…
ولا تجدهم بسهولة.








