
ليسوا خصومًا، ولا منشقين، ولا أعداءً يقفون في الجهة الأخرى من المعركة.
المذعنون يعيشون بيننا، يتحركون داخل عن ليس شخصًا غاضبًا، ولا ناقمًا صريحًا، بل شخص لم يحسم موقفه.. لم يغادر المشروع، لكنه غادره من قلبه.. بقي بالجسد، وترك المعنى.
في الظاهر، يبدو هادئًا متزنًا، وربما “عاقلًا” أكثر من اللازم.. وفي العمق، هو حالة تآكل بطيء، لا تُحدث ضجيجًا، لكنها تُضعف الجدران من الداخل.
المذعن لا يواجه، بل يُربك.. لا يصطدم، بل يُبطئ.. ولا يهدم، بل يجعل البناء بلا روح.. تجده كثير الحديث عن الأخطاء، قليل الحضور عند التكليف.. يسأل دائمًا: “هل هذا هو الوقت المناسب؟” ويكرر: “الظروف لا تسمح”.
وحين يُطلب منه موقف واضح، ينسحب إلى المنطقة الرمادية، حيث لا التزام ولا انسحاب. هو لا يعارض القرار، لكنه لا يدافع عنه.
لا يطعن في المشروع، لكنه لا يؤمن به.. ولا يخون صراحة، لكنه لا يضحي أبدًا.
أخطر ما في المذعن أنه لا يبدو خطيرًا.. حديثه عقلاني، نبرته هادئة، وانتقاداته مغلفة بالحرص.
لكنه مع الوقت ينقل إحباطه إلى غيره، ويحوّل الشك إلى مناخ عام، ويجعل الالتزام يبدو عبئًا زائدًا عن الحاجة.
“المذعن ابن بيئته”
هو نتاج عمل إسلامي أفرغ التربية من معناها، واستبدل الإيمان بالإدارة، والروح بالإجراءات، والرسالة بالروتين.
حين يطول الطريق بلا أفق، وتكثر الخسائر بلا تفسير صادق، ويتحول الصبر إلى شعار فارغ، يبدأ بعض الناس في الانسحاب الداخلي بدل المواجهة أو الاعتراف بالعجز.
وحين تُساوى الجدية بالتسيّب، ويُحتفى بالكلام أكثر من الفعل، ويُخشى الوضوح بحجة الحكمة، يصبح المزعن حالة طبيعية لا استثناءً.
خطر المذعنون ليس في عددهم، بل في أثرهم.. هم يُنهكون القيادة بلا معركة، ويُحبطون الصادقين بلا صدام، ويفتحون ثغرات نفسية وفكرية في الصف دون أن يشعروا أنهم يفعلون شيئًا خاطئًا.
والأخطر من ذلك كله: أن يرى الملتزم الصادق أن من لا يلتزم يُساوى به، أو يُسمَع له أكثر، فيبدأ السؤال القاتل: لماذا أتحمل أنا ما لا يتحمله غيري؟ وهنا تبدأ العدوى.
المشكلة ليست في الضعفاء، فالضعيف صادق، يعترف بتقصيره، ويطلب العون.. المشكلة في من تعلّم كيف يُبرر، لا كيف يتغير.في من اعتاد السلامة، ولبسها لباس الحكمة.
“علاج هذه الظاهرة لا يكون بالفضح ولا بالقسوة، لكنه أيضًا لا يكون بالتجاهل”
أخطر ما يمكن أن يفعله أي مشروع هو التعايش مع الذعنة، وتطبيع الغموض، وتأجيل الحسم باسم المصلحة.
المعالجة تبدأ بإعادة المعنى إلى مركز المشروع: لماذا نحن هنا؟ وإلى أين نمضي؟ وبأي ثمن؟
وتستمر بالوضوح في المعايير: ليس كل حضور التزامًا، ولا كل كلام موقفًا.
وتنتهي بالشجاعة في قول الحقيقة: هذا الطريق له كلفة، ومن لا يستطيع دفعها، فانسحابه بصدق خير من بقائه مُربكًا.
“المذعن لا يولد مزعنًا”
هو غالبًا شخص خذلته التربية، أو أرهقه الطريق، أو صدمه الواقع، ولم يجد من يأخذه بصدق إلى لحظة الحسم.
لكن المشروع الذي لا يفرز صفوفه، ولا يحمي روحه، ولا يميز بين من يحمل العبء ومن يراقبه من بعيد، مشروع يحكم على نفسه بالإنهاك البطيء.
والأمم لا تسقط دائمًا بالهزائم الكبرى.. كثيرًا ما تسقط بالتآكل الصامت.







