
لماذا نجت الدولة المصرية؟ دروس العقد ونصف:
حين ننظر اليوم، بعد خمسةَ عشر عامًا تقريبًا، إلى خريطة المنطقة التي اشتعلت منذ 2011، يصبح السؤال الأهم ليس: لماذا سقطت دول؟
بل: لماذا نجت مصر؟
نجت، رغم كل شيء.
رغم الأخطاء، والتكلفة، والارتباك، والاستقطاب، والضغوط غير المسبوقة.
والإجابة، كما تكشفها التجربة، ليست بطوليةً رومانسية، ولا تبريرية، بل مركّبة، وقاسية، وتستحق أن تُروى بكل وضوح.
الدولة… حين تكون أعمق من النظام:
الدرس الأول، وربما الأهم، أن الدولة المصرية لم تكن مجرد نظام حكم.
كانت:
• مؤسساتٍ متجذّرة
• ذاكرةٍ تاريخيةٍ ممتدة
• وبنيةٍ إداريةٍ واجتماعيةٍ لم تُخلق على عجل
سقطت أنظمةٌ في المنطقة لأن الدولة نفسها كانت هشّة،
أو مختزلةً في شخص،
أو مرهونةً بطائفة،
أو قائمةً على توازناتٍ ميليشياوية.
أما في مصر، فرغم ما أصابها من إنهاك، بقيت فكرةُ الدولة حاضرةً ومقاومة، وهذا يُحسب لنظام مبارك وللرئيس نفسه.
الجيش… حين يرفض لعب الدور الخطأ:
الجيش المصري لم ينخرط في السياسة،
نأى بنفسه عن أن يكون طرفًا منحازًا.
ولكنه، أبدًا، لم يكن بعيدًا عن المشهد،
وامتلك ما افتقدته جيوشٌ أخرى:
الوعي بالخطر الوجودي على الدولة.
لم ينخرط في حربٍ أهلية،
ولم يتحول إلى طرفٍ طائفي،
ولم يسمح بتفكيك بنيته.
وحين تدخّل، لم يفعل ذلك ليحكم،
بل ليمنع سقوط الدولة في فراغٍ لا نهاية له.
هذا الفارق البسيط في الظاهر،
كان فارقًا مصيريًا في النتائج.
المجتمع… ذاكرة الخوف من الفوضى:
المجتمع المصري، رغم انقسامه الحاد في تلك اللحظة،
كان يحمل في عمقه ذاكرةً ترفض الفوضى.
لذا لم يكن قابلا لتجربة المجهول إلى نهايته.
ولهذا، حين بدا الطريق مسدودًا،
مال الميزان – ببطء – نحو الاستقرار،
حتى لو كان مكلفًا.
أخطاء الخصوم… هدية غير مقصودة:
لا يمكن تجاهل أن خصوم الدولة ارتكبوا أخطاءً قاتلة.
أخطاء:
• في إدارة السلطة
• في قراءة المجتمع
• في التعامل مع مؤسسات الدولة
• وفي تصورهم لمعنى الشرعية
حين تحوّل مشروع “التمكين” الإخواني إلى إقصاء، وحين استُبدلت الوطنية بالتنظيم،
فقدوا التعاطف، وخسروا اللحظة.
سقوط وهم “النموذج الواحد”:
من أهم نتائج هذه التجربة، سقوط فكرة أن هناك نموذجًا واحدًا للتغيير يمكن نسخه من بلدٍ إلى آخر.
ما حدث في تونس،
وما جرى في ليبيا،
وما انفجر في سوريا،
وما نجا في مصر،
كلها مساراتٌ مختلفة،
لأن الدول مختلفة،
والمجتمعات مختلفة،
وموازين القوى مختلفة.
وهنا، سقط أحد أخطر أوهام العقد الماضي:
أن الديمقراطية يمكن فرضها كقالبٍ جاهز،
دون سياق،
ودون مؤسسات،
ودون توافق.
من يناير 2011 إلى يناير 2026:
بين ينايرين، تغيّر الكثير.
سقطت أوهام،
وانكشفت مشاريع،
ودُفعت أثمانٌ باهظة.
لكن الحقيقة الأهم التي يجب أن تُقال بوضوح:
أن مصر لم تكن ساحةَ عبورٍ سهلة،
ولا جائزةً مجانية،
ولا دولةً قابلةً للكسر الكامل.
ولهذا، فإن الطريق إلى 25 يناير لم يكن طريقًا واحدًا،
بل شبكةَ طرقٍ متقاطعة،
اصطدم بعضها ببعض،
وتكسّر عند حدود الدولة المصرية.
كلمة مهمة:
ليس الهدف من هذه السلسلة من المقالات، كما قلنا، إدانة الغضب،
ولا تخوين الاحتجاج،
ولا تبرئة الأخطاء.
بل الهدف هو الفهم.
أن نفهم كيف تُدار اللحظات الكبرى،
وكيف تُختطف الثورات،
وكيف تنجو الدول أحيانًا من السقوط،
لا بالمعجزات،
بل بتوازناتٍ دقيقة،
واختياراتٍ مؤلمة.
فما الذي يجب ألّا يتكرر؟
وإلى أين ينبغي أن نتجه؟
بعد مرور أكثر من عقدٍ ونصف على 25 يناير،
لم تعد مصر هي مصر التي سبقت تلك اللحظة،
كما لم يعد العالم هو العالم ذاته.
تغيّرت موازين القوى،
وتبدّلت أدوات التدخل،
وتراجعت أوهامٌ كثيرة كانت تُقدَّم باعتبارها مسلّمات.
لكن أخطر ما قد يحدث،
هو أن تمر التجربة بكل ثقلها،
دون أن تتحول إلى وعيٍ مؤسسيٍّ مستدام.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الدولة التي تنجو مرة،
قد لا تنجو بالضرورة في المرة التالية،
إذا لم تُعالَج الأسباب التي وضعتها على حافة السقوط.
وأثبتت أيضًا أن الاستقرار الذي لا يُصاحبه إصلاحٌ حقيقي
ليس حلًا طويل الأمد،
بل هدنةٌ مؤقتة مع المستقبل.
إن الدرس الأعمق الذي تقدمه تجربة يناير،
هو أن حماية الدولة لا تكون فقط بمنع سقوطها،
بل بقدرتها على تجديد نفسها من الداخل،
وفتح مسارات المشاركة،
وتجفيف منابع الغضب قبل أن تتحول إلى انفجار.
كما كشفت التجربة أن أخطر ما يواجه المجتمعات
هو تحويل السياسة إلى صراعٍ صفري:
إما دولةٌ بلا صوت،
أو صوتٌ بلا دولة.
وبين هذين الخيارين الكارثيين،
يضيع الوطن.
إن المستقبل – في مصر والمنطقة –
لن يُصنع بالشعارات،
ولا بالقبضة وحدها،
ولا بالاستدعاء الدائم لفزّاعة الفوضى،
كما لن يُصنع أيضًا بالرهان على قوى منظمة
تتعامل مع الدولة بوصفها غنيمة.
المستقبل يُصنع فقط حين:
• تكون الدولة قويةً بعدلها لا بخوف مواطنيها
• وتكون السياسة ساحةَ تنافسٍ لا معركةَ وجود
• ويصبح الاختلاف حقًا لا تهمة
• وتتحول الذاكرة الوطنية من عبءٍ إلى درع
إن الطريق إلى 25 يناير كان ممكنًا،
لأنه تراكم دون مراجعة،
ودون مصارحة،
ودون إصلاحٍ جاد.
أما الطريق إلى ما بعدها،
فيجب ألّا يُترك للمصادفة،
ولا للانفجار،
ولا للتدخل من الخارج.
هذه السلسلة من المقالات لا تُغلق ملف يناير،
ولا تدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة،
لكنها تضع أمام القارئ خلاصةَ تجربة،
وثمنًا دُفع،
وسؤالًا مفتوحًا:
هل نتعلّم قبل أن يُعاد فتح الطريق من جديد؟
في المقالات القادمة سنتقدم أكثر في ملفٍ حساسٍ ومعقّد،
ملف “محددات الأمن القومي العربي”،
ماذا جرى على صفحة النهر منذ يناير 2011 وحتى يناير 2026.
غدًا نواصل،
باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.







