مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب : عسكرة الممرات المائية: حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح في النظام العالمي الجديد

لم تعد الممرات المائية مجرد شرايين محايدة للتجارة الدولية، بل تحولت تدريجيًا إلى أدوات ضغط جيوسياسي تُدار بمنطق “الردع بالمخاطر” لا بمنطق الإغلاق أو السيطرة التقليدية. ففي المشهد الدولي الراهن، لم يعد الهدف تعطيل الملاحة بالكامل، بل إعادة تسعيرها أمنيًا، وتحويل الجغرافيا من فضاء عبور اقتصادي إلى مسرح صراع دائم منخفض الحدة عالي التأثير.

اليوم لا تُغلق المضائق، بل تُهدَّد.
ولا تُمنع السفن، بل تُربَك.
ولا يُوقف التدفق التجاري، بل يُحمَّل بكلفة أمنية متزايدة.

هذا التحول يعكس انتقال النظام الدولي من منطق الهيمنة المباشرة إلى منطق عدم الاستقرار المُدار، حيث يصبح الممر غير المستقر أكثر فاعلية في ممارسة الضغط من تعطيله بالكامل.

من السيطرة إلى إدارة التوتر

في العقود الماضية، سعت القوى الكبرى إلى التحكم المطلق بالممرات الاستراتيجية. أما اليوم، فتتجه إلى إبقائها مفتوحة شكليًا، لكنها محفوفة بالمخاطر عمليًا. فالممر المتوتر:
• يرفع أسعار الطاقة عالميًا
• يربك سلاسل الإمداد
• يزيد أقساط التأمين
• ويخلق حالة عدم يقين مستمرة في الأسواق

وهذا بالضبط ما يناسب نظامًا عالميًا لم يعد يحتمل الحروب الشاملة، لكنه يعيش على الأزمات المتواصلة والصراعات الرمادية.

الردع بالمخاطر: هندسة جيوسياسية جديدة

تكمن خطورة الممرات الاستراتيجية في ضيق جغرافيتها، وكثافتها الاقتصادية، واستحالة إغلاقها سياسيًا دون تداعيات كارثية. لذلك أصبحت مثالية لتطبيق مفهوم الردع بالمخاطر: تهديد محدود يولّد أثرًا عالميًا واسعًا.

مضيق هرمز مثلًا لا يحتاج إلى إغلاق فعلي. مجرد التلويح بالتعطيل كفيل بإشعال أسواق الطاقة.

وباب المندب تحوّل من ممر تجاري إلى عقدة أمنية تتقاطع فيها القرصنة، والحرب اليمنية، والعسكرة الدولية، والصراع الإقليمي.

أما بحر الصين الجنوبي، فيجسّد نموذج الممر المفتوح تحت الضغط الدائم، حيث تُستخدم الجزر والقانون البحري لتغيير موازين القوة دون مواجهة مباشرة.

في كل هذه الساحات، لا تُمارس القوة عبر الإغلاق، بل عبر التهديد المستمر.

القانون والاقتصاد كسلاحين صامتين

العسكرة الحديثة لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها. فالقانون الدولي للبحار يُفسَّر بانتقائية لتبرير اعتراض السفن وفرض قيود على الملاحة تحت ذرائع أمنية.

كما تُستخدم قوانين مكافحة الإرهاب والقرصنة لإضفاء شرعية على وجود عسكري دائم في مناطق كان يُفترض أن تكون مهام مؤقتة.

اقتصاديًا، يكفي رفع مستوى المخاطر حتى تتغير الحسابات العالمية: ارتفاع التأمين، اضطراب الطاقة، وإعادة توجيه المسارات البحرية. وهكذا تُدفع كلفة الصراع من جيوب التجارة العالمية.

البحر الأحمر: المختبر الجيوسياسي الأوضح

يمثل البحر الأحمر النموذج الأكثر اكتمالًا لعسكرة الممرات.

حتى نهاية الحرب الباردة، ظل ممرًا حساسًا محدود العسكرة. ثم جاءت طبقات متراكمة:
• القرصنة التي أدخلت الأساطيل الدولية
• الحرب في اليمن التي عسّكرت باب المندب والجزر المجاورة
• التنافس الأمريكي الصيني
• دمج المنطقة في معادلة الردع مع إيران
• وصعود فاعلين غير دولتيين بأسلحة غير متماثلة

النتيجة أن البحر الأحمر لم يعد ممرًا تُحل فيه الأزمات، بل مسرحًا تُدار فيه الأزمات بوصفها جزءًا من بنيته الدائمة.

الهجمات بالمسيّرات والزوارق المفخخة لا تهدف إلى شل الملاحة، بل إلى فرض “ضريبة خطر” مستمرة على التجارة العالمية.

جغرافيا القواعد: النفوذ بدل السيادة

جيبوتي تحولت إلى مركز ثقل عسكري عالمي، تستضيف قواعد أمريكية وصينية وفرنسية ويابانية وأوروبية، مع محاولات روسية للتمدد.

إلى جانب ذلك، برزت الجزر الاستراتيجية مثل بريم وسقطرى كنقاط تحكم عميقة في حركة الملاحة.

وسقطرى تحديدًا تمثل السيطرة الاستراتيجية الكبرى؛ فمن يهيمن عليها لا يراقب باب المندب فقط، بل يتحكم في البيئة التشغيلية للممر من عمق المحيط.

هذا التكدس العسكري خلق اقتصاد توتر دائم، حيث أصبحت القواعد الأجنبية مصدر دخل، ما يخلق مصالح محلية في استمرار العسكرة لا إنهائها.

مصر في قلب المعادلة

بالنسبة لمصر، لا تمثل عسكرة البحر الأحمر قضية أمنية فحسب، بل تهديدًا استراتيجيًا مركبًا.

فإدخال البحر الأحمر في معادلة المخاطر يضرب السمعة التاريخية لقناة السويس كممر آمن ومستقر، وهي سمعة تشكل أصلًا اقتصاديًا سياديًا بالغ الأهمية.

كل تصعيد يعيد تسعير المخاطر، ويفتح الباب لمسارات بديلة، ويضغط على إيرادات القناة والموانئ.

الأخطر أن تدويل أمن البحر الأحمر يحوّل القاهرة تدريجيًا من فاعل صاحب سيادة على ممر استراتيجي، إلى طرف يتحمل كلفة استقرار تُدار مفاتيحه خارج الإقليم.

ومع الوقت، تتحول “الحماية الدولية” إلى أداة ابتزاز سياسي غير مباشر في ملفات لا ترتبط بالملاحة ذاتها.

خلاصة

عسكرة الممرات المائية ليست ظاهرة طارئة، بل جزء من بنية النظام العالمي الجديد.

نحن ننتقل من عالم تُغلق فيه الممرات أثناء الحروب، إلى عالم تُبقى فيه مفتوحة لكنها غير مستقرة.

الجغرافيا لم تعد مسرحًا للصراع فحسب، بل أصبحت السلاح ذاته.

والبحر الأحمر ليس استثناءً، بل نموذجًا مبكرًا لمسار عالمي تتجه إليه الممرات الاستراتيجية:
مساحات ضغط دائمة تُدار فيها القوة، وتُسعَّر فيها المخاطر، ويُعاد عبرها تشكيل النفوذ دون حرب شاملة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى