
الفشل الذي منيت به جولات المفاوضات السابقة التي أجرتها إدارة ترامب، لا يعود إلى رفض إيران التوصل إلى اتفاق جديد، وإنما إلى إصرار ترامب على تقييد برنامجها الصاروخي، بما يكفي لإزالة المخاوف الإسرائيلية.
تناقلت وكالات الأنباء العالمية منذ أيام قليلة خبراً يشير إلى أن إدارة ترامب قررت استئناف المفاوضات مع إيران، ووافقت على أن يصبح الملف النووي بندا وحيداً على جدول أعمال لقاء يفترض أن يعقد في مدينة اسطنبول يوم الجمعة الموافق 6/2/ 2026 بين ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس ترامب، وعباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، ما رأى فيه البعض تطورا إيجابياً قد ينجح في تجنيب المنطقة حرباً إقليمية كبرى.
صحيح أن الأخبار عادت لتثير قدراً من البلبلة حول موعد ومكان اللقاء المفترض، غير أنها أكدت على أنه سيتم في جميع الأحوال. ومع ذلك ما تزال تراودني بعض الشكوك حول جدول أعمال الجولة القادمة من المفاوضات، وما إذا سينحصر في بحث الملف النووي.
فمن المعروف أن الفشل الذي منيت به جولات المفاوضات السابقة التي أجرتها إدارة ترامب، لا يعود إلى رفض إيران التوصل إلى اتفاق جديد حول برنامجها النووي، وإنما إلى إصرار ترامب في الوقت نفسه على تقييد برنامجها الصاروخي، وبما يكفي لإزالة المخاوف الإسرائيلية، وعلى أن تقطع علاقاتها بحركات المقاومة في المنطقة.
لو كان هدف ترامب الحقيقي هو التوصل إلى اتفاق يضمن عدم امتلاك إيران للسلاح النووي، لأمكن تحقيق هذا الهدف خلال جولات المفاوضات التي جرت في مسقط وروما قبل أن يقرر اللجوء إلى الوسائل العسكرية. فلتحقيقه ينبغي على إيران:
1- تخفيض معدلات تخصيب اليورانيوم على أراضيها إلى أدنى درجة ممكنة، وهو ما يمكن أن يتم من خلال الاتفاق على نظام محكم للتفتيش والرقابة تشرف عليه الوكالة الدولية للطاقة النووية.
2- تسليم كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، التي تمكنت من انتاجها بعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق 2015 ونجت من القصف الأمريكي الإسرائيلي على منشآتها النووية، إلى طرف ثالث محايد.
تبلغ هذه الكمية حوالي 400 كجم، يقال أنها تكفي لصنع ثلاث أو أربع قنابل نووية صغيرة أو متوسطة الحجم. ويرجح أن تكون إيران قد أصبحت اليوم أكثر استعدادا من أي وقت مضى للتخلي نهائيا عن فكرة تصنيع السلاح النووي أو امتلاكه، ما يدفع للاعتقاد بأن التوصل إلى اتفاق يضمن عدم امتلاك إيران نهائيا للسلاح النووي بات ممكنا بمجرد أن تبدي الولايات المتحدة استعدادها لرفع جميع أنواع العقوبات المفروضة عليها.
المعضلة الحقيقية ليست في رفض إيران التوصل لاتفاق عادل للطرفين، وإنما تكمن في إصرار ترامب على حرمان إيران من أي برنامج نووي، حتى ولو في حدود ما تسمح به اتفاقية حظر انتشار السلاح النووي الملزمة لإيران، ومن بناء نظام دفاعي قادر على توفير الحماية لشعبها في مواجهة ما قد يتعرض له من تهديدات خارجية، ومطالبتها بعدم التواصل مع محيطها الخارجي، خصوصا مع القوى التي تقاوم الاحتلال الصهيوني. ولأنه يصعب على دولة في حجم إيران أن تقبل بإملاءات من هذا النوع، بل وقد يؤدي الرضوخ لها إلى التعجيل بسقوط نظامها السياسي نفسه، يمكن القول أن اللقاء المرتقب بين ويتكوف وعراقجي سيفل حتما إذا واصل ترامب إصراره على هذه المطالب.
ليس من المستبعد أن تصبح إيران جاهزة يوماً ما لتحجيم برنامجها الصاروخي بما يكفي لتهدئة روع “إسرائيل”، وربما أيضا لتقليص دعمها السياسي والعسكري لحركات المقاومة في المنطقة، غير أن ذلك مرهون بتوافر ظروف لإجراء ترتيبات إقليمية تفضي إلى إقامة نظام للأمن الجماعي يعمل على:
1- إخلاء منطقة الشرق الأوسط من جميع أسلحة الدمار الشامل؟
2- إيجاد تسويات شاملة وعادلة لأزمات المنطقة المزمنة، خصوصا ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية.
ولأن الظروف اللازمة لإنضاج العوامل المطلوبة لإقامة نظام للأمن الإقليمي، في منطقة تتسم بوجود مشروع صهيوني يسعى للهيمنة ويصرعلى إقامة “إسرائيل الكبرى”، أو للتوصل إلى تسويات لأزمات مزمنة ومتجذرة، في منطقة تتسم بإصرار عنيد من جانب إسرائيل على رفض إقامة دولة فلسطينية، ولوعلى مساحة لا تتجاوز 22% فقط من الوطن التاريخي للشعب الفلسطيني، لم تتوافر بعد، يتوقع أن تستمر حالة عدم الاستقرار في المنطقة إلى أن تنضج ظروف أكثر ملاءمة لإحداث تغيير بنيوي في موازين القوى السائدة فيها، وهو ما قد تساعد الأزمة الإيرانية الراهنة على التعجيل به.
تعود التوترات التي شهدتها المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة إلى اعتقاد ترامب ترامب أن المظاهرات التي اجتاحت معظم المدن الإيرانية نهاية ديسمبر/كانون الثاني الماضي ستفضي حتما إلى إسقاط النظام الإيراني وبالتالي فعليه أن يسارع بالمشاركة في صنع هذا الإنجاز، ما يفسر تأييده العلني لهذه المظاهرات، بل وإقدامه على التحريض المباشر للتظاهرين، بحثهم على الاستيلاء على ما يستطيعون من مؤسسات حكومية، ثم قيامه بإصدار أوامر لتحريك أساطيل وحشود عسكرية ضخمة نحو المنطقة، ما أوحى بأنه على وشك القيام بتوجيه ضربة للإجهاز على النظام الإيراني. لذا فليس من المستبعد أبدا أن تكون أجهزة الاستخبارات الأمريكية قد انخرطت في عملية التخطيط المسبق لهذه الاحتجاجات، بالتعاون الوثيق مع الأجهزة الإسرائيلية، قبل أن تشارك في تأجيجها عقب النجاح في إشعالها. غير أن عوامل كثيرة أجبرت ترامب على التراجع، لكن دون التخلي عن أهدافه، أهمها:
1- تمكن النظام الإيراني من احتواء الموقف والسيطرة على الاحتجاجات خلال فترة زمنية فصيرة.
2- إدراك ترامب المتأخر لصعوبة إسقاط النظام الإيراني بضربة عسكرية من الجو.
3- التحسب لقدرة النظام الإيراني على توجيه ضربة مضادة، قد تلحق خسائر بشرية جسيمة بالقوات الأميركية في المنطقة، وربما تؤدي أيضاً إلى إحداث دمار كبير داخل “إسرائيل”.
3- رفض معظم دول الإقليم منح تسهيلات تتيح للطائرات والصواريخ والمسيرات الأمبركية أو الإسرائيلية عبور أجوائها، ومسارعة هذه الدول بالقيام بتحركات دبلوماسية واسعة للتحذير من العواقب المحتملة لضربة تفشل في إسقاط النظام الإيراني وتنجح في إشعال حرب استنزاف طويلة في المنطقة، ما قد يلحق ضرراً مباشراً بمصالحها.
في سياق ما تقدم، يمكن القول إن ترامب لم يقبل باستئناف المفاوضات مع إيران إلا مضطراً، لكنه حرص في الوقت نفسه على أن تجري تحت قعقة السلاح، لإحداث أكبر قدر ممكن من الضغوطات النفسية على المفاوض الإيراني.
غير أن التصريحات التي أدلى بها عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين توحي بأن إيران مستعدة لكل الاحتمالات، حيث بدأت تتحرك في ثلاث اتجاهات متوازية:
الأول: دبلوماسي، لتأكيد جديتها في أي مفاوضات قادمة واستعدادها للتحلي بأقصى قدر ممكن من المرونة التكتيكية، مع الحرص في الوقت نفسه على التمسك بمصالحها الاستراتيجية العليا والدفاع عنها باستماتة، عبر الوقوف وراء خطوط حمراء لا ينبغي تجاوزها
والثاني: عسكري، لتأكيد جاهزيتها للرد الفوري في حال تعرضها لأي عمل عدواني، باستخدام كل ما في حوزتها من وسائل، مع الحرص في الوقت نفسه على استمرار هذه الحالة طوال الوقت، لتجنب الوقوع مرة أخرى ضحية أي نوع من الخداع أو التضليل الاستراتيجي، مثلما حدث قبيل حرب ال 12 يوماً، حين شنت “إسرائيل” والولايات المتحدة هجومهما المشترك في وقت كانت فيه الوفود الأميركية والأيرانية على وشك التحرك لإجراء جولة من المفاوضات تم الاتفاق على موعدها سلفاً.
والثالث: مختلط، يجمع بين حركة دبلوماسية نشطة، تستهدف طمأنة الأصدقاء وتخويف الأعداء وتحذير المترددين والمنافقين، وتحركات عسكرية يقظة، تستهدف اختبار درجة الاستعدادات القائمة وتبعث برسائل مناسبة لجميع الأطراف المعنيين بالمواجهة، سواء في الداخل أو في الإقليم أوعلى المستوى الدولي والعالمي.
ليس بوسع أحد أن يتكهن بما قد يحدث خلال الأسابيع أو الشهور القليلة القادمة، أو يحدد ما إذا كانت كفة الدبلوماسية هي التي سترجح، أم أن الآلة العسكرية هي التي سيكون لها القول الفصل في نهاية المطاف.
وأياً كان الأمر، يتوقع أن توضع جميع الأطراف أمام اختبارات قاسية متباينة الألوان والأحجام. فالنظام الإيراني يواجه في الوقت الراهن تحدياً وجودياً يتعين أن يثبت خلاله أن لديه القدرة على البقاء وأنه على مستوى المواجهة وجدير بإدارتها.
فهو لا يستطيع أن يخضع للإملاءات، وإلا سقط في أعين الناس وانفضوا من حوله، ما يعرضه لخسارة كل شيء حتى لو تمكن من تجنب مواجهة عسكرية، وهو لا يستطيع في الوقت نفسه أن يضخم من قدراته، ما يدفعه لارتكاب حماقات هو في غنى عنها وقد تكلفه الكثير على المدى المتوسط أو الطويل، وبالتالي فليس أمامه سوى الصمود وإثبات كفاءته وجدارته على الصعيدين الدبلوماسي والعسكري في الوقت نفسه.
أما ترامب فيواجه بدوره موقفا صعبا قد يكلفه الكثير، فالتراجع قد يكلفه خسارة انتخابات التجديد النصفي التي ستجري في نهاية العام، أما إن خاطر وأقدم على عمل عسكري فقد يجد نفسه منغمسا في حرب استنزاف طويلة المدى، لم يكن يريدها وأصبح معرضا للوقوع في فخها، وبات عليه في جميع الأحوال أن يفاضل في قرارته بين “أمريكا أم إسرائيل أولا”. ويبدو نتنياهو الآن في موقف لا يحسد عليه.
صحيح أنه نجح في محاولاته الدءوبة، التي استهدفت على الدوام استدراج ترامب ودفعه لخوض المواجهة وحده نيابة عن إسرائيل، لكنه لن يسلم من الأذى إن وقعت الضربة، وقد ينتهي الأمر بخسارته للانتخابات التشريعية القادمة وإنهاء حياته في السجون.
أما الأطراف العربية والإسلامية في المنطقة فتواجه بدورها مأزقا قد لا تستطيع الفكاك منه، فإن وقعت الحرب فستكون هي أكبر الخاسرين، ومن ثم فعليها أن تضغط بأقصى بكل الوسائل المتاحة أمامها لتجنب وقوع الحرب وما سيتبعها من كوارث، فهل تستطيع؟







