
من لا يبحث عن السعادة لن يجدها،
فالسعادة قرار والتفاؤل ثقافة،
ومصادر البهجة حولنا، ولا تحتاج سوى أن نراها ونحسها لتتواجد في نفوسنا.
فلنشكر الله على نعمته علينا بالعقل لنرى فضله وجمال خلقه،
ونعمه علينا بسوية السريرة لتكون قلوبنا راضية مرضية.
قال لي الشاب السياسي: وماذا عن السعادة الجمعية للشعوب؟
قلت: هناك مؤشر السعادة العالمي
(World Happiness Report)
برعاية الأمم المتحدة،
الذي يصدر سنويًا
ويقيس سعادة الشعوب بناءً على مجموعة
من المؤشرات من خلال استطلاعات رأي
واستبيانات شاملة منها:
نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وتوزيع الدخل وعدالته،
وفرص العمل والتوظيف، ومستوى وكفاءة الخدمات العامة (الصحة، التعليم، النقل).
ومنها الدعم الاجتماعي، والتماسك الأسري، ومستوى الرضا العام عن الحياة،
واضعين في الاعتبار معدلات القلق والاكتئاب وجودة الصحة النفسية،
والشعور بالأمان الشخصي، ودرجة الثقة في الحكومة والمؤسسات، وغياب الفساد، واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون،
والبعد السياسي يشمل حرية اتخاذ القرار،
وجودة البيئة (الهواء، الماء، النظافة)،
وتوافر المساحات الخضراء، وحرية التعبير والإبداع، وتوفر الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية.
قالت شابة أخرى: وأين مصر في هذا المؤشر؟
قلت: وفقًا لتقرير السعادة العالمي لعام 2024، احتلت مصر المرتبة 127 عالميًا من بين 143 دولة شملها التقرير، للأسف وبدون تعليق.
قال الشاب السياسي: وماذا عن متعة السلطة لدى بعض الحكام؟
قلت: السلطة.. متعة زائلة،
وينسى كثير من الحكام، عبر التاريخ وحتى يومنا هذا، حقيقة بسيطة وعميقة: أنهم خُدّام للشعوب لا سادة عليهم، وأنهم مكلَّفون لا مُمكَّنون، وأن السلطة وظيفة مؤقتة لا امتياز أبدي.
حين تُفتح لهم أبواب النفوذ والجاه،
وتُصاب بما يمكن تسميته بـ “سُكرة السلطة”، وحين يذوق الإنسان متعة التحكم في مصائر الآخرين، يتماهى مع الكرسي وينسى نفسه، بل وينسى هدف وجوده في هذا الموقع.
السلطة في جوهرها أمانة،
ووسيلة لخدمة الناس وتحقيق رفاههم، لا غاية لذاتها. ولكن حين تتحول إلى غاية، يُختزل الوطن في الحاكم، وتُربط سعادة الشعب ببقاء الفرد، ويصبح تداول السلطة خطرًا على “الاستقرار”، والمعارضة خيانة، والنقد مؤامرة.
في النظم الديكتاتورية، يتم احتكار القرار،
ويغيب التوازن بين السلطات، وتُقمع حرية التعبير، لأن الحاكم يعتقد أن في بقائه “خلاص الأمة”، مع أن التاريخ يخبرنا مرارًا أن أعظم التقدم لا يحدث في ظل حكم الفرد، بل عندما يكون الحكم مسؤولًا، خاضعًا للمساءلة، ومتداولًا.
متعة السلطة، مهما بدت ساحرة، زائلة،
كما كل ما هو دنيوي. يرحل الزعيم، وتبقى المؤسسات. يُطوى الزمن صوته وصورته، وتبقى آثار سياساته.
ولكن الفرق الجوهري بين من خدم شعبه ومن استعبدهم،
هو كيف سيذكره التاريخ.
كفاءة الحكومات تُقاس بمدى قدرتها على تحقيق سعادة الناس،
لا بالشعارات، ووظيفة الدولة، في جوهرها، ليست القمع ولا السيطرة، بل تمكين الإنسان من أن يعيش حياة كريمة، حرة، منتجة، وسعيدة.
إن التداول السلمي للسلطة ليس رفاهية،
بل ضرورة لحيوية أي مجتمع، وتجديد دمائه، وتطوير أفكاره. أما احتكار السلطة، فهو انحدار حتمي نحو الجمود، ثم الغضب، ثم الانفجار.
لذلك، على من يتولى أمر الناس أن يتذكر أنه جاء ليخدم لا ليملك،
وأن المجد الحقيقي لا يكون بالبقاء على الكرسي، بل بما يتركه من أثر طيب، وسياسات عادلة، وذكر كريم في قلوب الناس.
السعادة الجمعية للشعوب مسألة حيوية،
ويتم نسيانها أحيانًا لانشغال الحاكم والمحكوم بالوسائل لا بالأهداف.







