
• هدايا الحكام…حين تتكلم السياسة بلغة الزرافة والسيارة
الهدايا بين الحكّام لم تكن يومًا حدثا عابراً ولا مجرد مجاملات بروتوكولية تُلتقط معها الصور ثم تُختفي في مخازن القصور.
الهدايا، في لحظات التاريخ الكبرى، كانت هذه الظاهرة دائما لغة سياسية بديلة، ودبلوماسية موازية، تقول ما لا يُقال في البيانات الرسمية، وتُخفي في طيّاتها رسائل، لإعادة التموضع.
• منذ العصور القديمة كانت هدايا العروش
تتحدث بلغة عصرها، بين السيوف المذهّبة، والخناجر المرصّعة، والخيول النادرة، واللوحات النفيسة،
وصولا إلى السيارات المكهربه.
• في التاريخ المصري
تقف بعض الهدايا كأنها خرجت من رواية اغريقيه لا من دفتر احوال دبلوماسيه.
احيانا هي هدايا لا تُقاس بثمنها، بل بما أحدثته من دهشة، وبما كشفته من عبقرية سياسية غير تقليدية.
• من بين هذه الحكايات
تبقى واحدة هي الأطرف والأغرب في تاريخ العلاقات بين العروش:
حكاية عمرها 200عاما
حكاية زرافة…
• نعم، زرافة
عبرت البحر والبر،
وسارت على قدميها من القاهرة لمرسيليا إلى باريس،
لتصبح أكثر هدية سياسية أثارت الخيال والاهتمام.
• ذات يوم، وصل إلى علم القنصل الفرنسي في مصر، برناردينو دروفتي
أن أحد أعيان السودان، ويدعى موكربيه، قدّم إلى محمد علي باشا هدية غير مسبوقة: زرافتين صغيرتين في العمر.
• في هذا الوقت
لم تكن فرنسا قد رأت زرافة من قبل. وكانت إفريقيا، في المخيلة الأوروبية خاصه الفرنسية، هي قارة الأساطير.
• التقط القنصل اللحظة بذكاء سياسي
وطلب من محمد علي باشا أن يُهدي إحدى الزرافين إلى ملك فرنسا شارل العاشر. فلم يتردد محمد علي. فالهدايا، في حسابه، كانت جزءًا من مشروع الصعود وتثبيت المكانة بين القوى الكبرى.
• كانت الزرافة المختارة في عمر شهرين فقط
وتعيش على اللبن،
وتحتاج إلى خمسة وعشرين لترًا من الحليب يوميًا.
• فأوفد الباشا، مع الزرافة
عامل إسطبل مختص بارضاعها،
وثلاثة شباب سودانيين لمساعدته،
وسفينة شراعية انطلقت من سردينيا يقودها القبطان الإيطالي ستيفانو منارا.
• ولأن الزرافة أطول من أن تُحبس
صُنعت فتحة خاصة في سطح السفينة تسمح لها بالوقوف طوال الرحلة.
• وفي 29 سبتمبر 1826
أبحرت السفينة وسط مراسم عسكرية،
كأنها تزف أميرة ملكية.
• وصلت الزرافة إلى ميناء مرسيليا في 31 أكتوبر 1826
كان حاكم الإقليم في استقبالها،
ووصفها بعبارة ستتردد طويلًا:
«المصرية الجميلة…».
• القوانين الصحية
لم تُعفِ الهدايا الملكية من القواعد.
فأُدخلت الزرافة ومرافقوها الحجر الصحي لمدة أربعين يومًا في مقاطعة بوش دو رون.
• وهناك بدأت الحكاية الحقيقية
زوجة حاكم المقاطعة حوّلت فترة الحجر إلى موسم اجتماعي،
نظّمت حفلات استقبال للطبقة البرجوازية، والهدف واحد هو:
رؤية الزرافة.
• بلغت تكلفة الرحلة والرعاية نحو 750 دولارًا أمريكيًا
وهو مبلغًا ضخمًا بمقاييس ذلك العصر.
• ومن مرسيليا إلى باريس
الزرافة تمشي والدهشة تكبر.
• مع انتهاء الشتاء وبداية الربيع
قررت الدولة الفرنسية نقل الزرافة إلى باريس سيرًا على الأقدام.
كُلّف العالم الشهير جوفروي سانت هيلير بالإشراف على الرحلة.
• كانت الزرافة تمشي
والناس يتجمّعون حولها، والدهشة تكبر مع كل قرية تمر بها،
حتى وصلت باريس.
• خرج الملك شارل العاشر بنفسه
وبرفقته ابنه ووريث العرش دوق أنغوليم،
والدوقة دوباري تمسك بيد طفلين من العائلة المالكة،
ليشاهد الجميع الهدية التي جاءت من عالم آخر.
• ما إن رآها الفرنسيون
حتى تحوّلت الزرافة إلى موضة قومية.
• صُنعت أطباق منقوشة بصورتها
وطُبع رسمها على الأوراق،
والمراوح، وأدوات التدخين.
• أُطلقت أسماء الزرافة على شوارع وميادين
اشترى الأطفال كعك وحلوي الزرافة.
صفّفت الفتيات شعورهن على تسريحة الزرافة.
• أعلنت صحف الموضة عن عقد الزرافة
وارتدى الرجال قبعات وأربطة عنق مستوحاة من شكلها.
• لم تعد الزرافة هدية
صارت هوسًا جماعيًا.
• أُودعت الزرافة حديقة النباتات في باريس
شاهدها ما بين يوليو ويناير نحو ستمائة ألف شخص.
حققت الزيارات أرباحًا ذهبية حقيقية، في زمن كان الذهب عملة الدولة.
• عاشت الزرافة في فرنسا حتى عام 1845
أي واحدًا وعشرين عامًا.
• وعندما ماتت
حُنِّطت،
ووُضعت في مكان مرموق بقسم الطبيعيات في متحف الحديقة.
• هكذا كانت الهدايا بين العروش
ليست دائمًا سيوفًا،
ولا مجوهرات، ولا سيارات،
بل أحيانًا زرافات
تعيد تعريف العلاقة بين دولتين.
• السياسة، في لحظاتها الذكية
قد تكتب تاريخها
بلغة غير متوقعة،
لغة تُدهش الشعوب،
وتحرّك الخيال،
وتترك أثرًا لا يُنسى.
• وتبقى هذه الحكاية شاهدًا
على أن الدبلوماسية ليست فقط ما يُقال على المنصّات،
بل ما يُدهش العالم…
ويجعله ينظر مرة أخرى بإعجاب
إلى من أهدى الزرافة أو السيارة.







