شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب – مجدي مهنا

في يوم ذكراه ال18 معرفة البشر أحيانًا لا تبدأ بسؤال، بل بإحساس.
هكذا كان لقائي الأول مع مجدي مهنا عام 1986،منذ 40 عاما..
في الخطوات الأولى لإعداد جريدة الوفد،
حين كانت الصحيفة حلمًا يمشي على قدمين،
وكان هو واحدًا من أولئك الذين يكتبون كما يتنفسون،
ويتنفسون في صمت
حتى لا يزعجوا أحدًا.

البساطة لم تكن قناعًا عنده،
بل طبعًا أصيلًا.
الرقة لم تكن ضعفًا،
بل أسلوب حياة.
الهدوء لم يكن انسحابًا،
بل ثقة داخلية لا تحتاج ضجيجًا.

لم يكن يومًا ساعيًا إلى منصب،
حتى جاءه المنصب الرفيع
دون جهد أو قتال،
كأنه يعرف طريقه إليه
كما تعرف الكلمات طريقها إلى قلب القارئ.

كان قلمه الأقرب إلى مشاعر الناس،
ذلك القلم الذي يجعل القارئ يشعر
أن الكاتب يكتب عنه لا عنه.
لا تكلف في العبارة،
ولا ادّعاء في الفكرة،
ولا خطابة تبحث عن تصفيق.
هكذا كان مجدي مهنا،
كاتبًا يمثل القارئ
دون أن يتحدث باسمه.

عرفته أيضًا نقابيًا بارعًا،
مخلصًا لمن انتخبوه
شخصًا وقلمًا.
في عام 1995 تشاركنا العمل
في مشروع إعداد قانون الصحافة،
كنت نائبًا في البرلمان،
وكان عضوًا في مجلس نقابة الصحفيين،
وكان—كعادته—الأقرب إلى المنطق والعقل،
حين تتزاحم الأصوات
وتضيع البوصلة.

الحياة جمعته بتجارب متعددة،
لكن جوهره ظل واحدًا.
حين عمل في التلفزيون،
وتحديدًا في قناة دريم،
جمعنا القدر في اليوم نفسه،
وقعنا التعاقد ذاته،
قدّم هو برنامج «في المليان»،
وقدّمت أنا برنامج «في الصميم».
مصادفة بدت عادية،
لكنها كانت تقول الكثير
عن تشابه المزاج
واختلاف الأدوات.

المرض جاء ثقيلًا،
والصراع كان قاسيًا،
لكن مجدي مهنا
اختار أن يعيش المرض
كما عاش الحياة:
بهدوء،
وبدون شكوى،
وبدون استعراض.

رحل في سكينة
بعد معركة مع المرض اللعين،
كأن الرحيل امتداد طبيعي
لأسلوبه في الحضور.

وُلد مجدي مهنا عام 1957
في قرية سنتماي بمركز ميت غمر
في محافظة الدقهلية.
حياة قصيرة نسبيًا،
لكنها كانت حافلة،
ممتلئة بالمعارك المهنية والنقابية
التي خاضها بشرف.

انضم مبكرًا إلى جماعة الصحفيين،
بدأ في روزاليوسف،
وظل على قوتها نظريًا حتى وفاته،
ثم انتقل إلى جريدة الأهالي،
ومنها إلى جريدة الوفد
حيث تولّى رئاسة التحرير،
قبل أن تأتي تجربة ستظل فارقة
في مسيرته الصحفية.

تجربة «المصري اليوم»
كانت شهادة ميلاد جديدة.
كان من الشهود الأوائل
على ولادة الصحيفة فكرةً،
ثم تولّى رئاسة تحريرها
في محاولة الإصدار الأولى.
لاحقًا آثر أن يكون
كاتبها المنتظم،
ذلك الكاتب الذي ينتظره القراء
كما ينتظرون صديقًا قديمًا.

حين اشتد عليه المرض،
خرجت الأقلام من كل اتجاه
لتقف إلى جواره.
فتحت المصري اليوم عموده للقراء
ليكتبوا له رسائل
بدلًا من مقاله الغائب.
كان مشهدًا نادرًا
لا يحدث إلا مع من
كتبوا بصدق
وعاشوا بضمير.

احتفظ مجدي مهنا
بأسرار مرضه طويلًا.
وحين قرر أن يتكلم،
كتب بهدوء يليق به:
«لا أرغب في الدخول في تفاصيل حياتي الصحية…
المشوار طويل،
وعليّ أن أتقبله بنفس راضية مرضية،
وأن أشكر الله في السراء والضراء».
بهذه الكلمات عرف الجميع
أن المعركة أكبر
وأن النهاية تقترب.

في 8 فبراير 2008
رحل مجدي مهنا.
رحل الكاتب الذي لم يقايض،
ولم يساوم،
ولم يبع ضميره
لا في مقال
ولا في موقف
ولا في برنامج.

رحل صاحب عمود «في الممنوع»
الذي اقترب من الخط الأحمر
دون أن يتجاوزه
ودون أن يبرر الصمت.

بعد الرحيل،
أصدرت المصري اليوم
كتابًا تذكاريًا
ضمّ مجموعة من أهم مقالاته،
كأن الصحيفة أرادت أن تقول:
هذا رجل كتب بضميره،
فبقي أثره.

وجوه لا تغيب…
لأن بعض الأقلام
لا تموت بانكسار الجسد.
ولأن من كتب الناس بصدق
يبقى حيًا فيهم.
ولأن مجدي مهنا
لم يكن نجمًا يبحث عن الضوء،
بل ضوءًا هادئًا
علّمنا أن الصحافة
حين تكون أخلاقًا
تصير حياة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى