
لم يكن حضوري حفل تكريم ماجدة الرومي مجرّد مشاركة في مناسبة فنية إجتماعية ، بل كان شهادة حيّة على معنى أعمق: أن الفن الحقيقي لا يعرف الحدود، وأن الجمال حين يصدق يتكفّل وحده بشرح نفسه.
منذ أيام قليلة، احتشدت في القاهرة كوكبة من الفنانين المصريين واللبنانيين، إلى جانب أعضاء هيئات دبلوماسية عربية، ودولية للاحتفاء بقامة فنية لم تكتفِ بالغناء، بل صاغت مساراً أخلاقياً وجمالياً في آن واحد . وقبل التكريم، كانت ماجدة الرومي قد أحيت حفلاً غنائياً مميزاً على مسرح دار الأوبرا المصرية، بحضور وزير الثقافة المصري، وبقيادة المايسترو نادر عباسي؛ حفلاً لم يكن مجرد عرض، بل لقاء وجدانٍ بوجدان.
لم أكن أعرف – كما لم يعرف كثيرون – أن والدة ماجدة الرومي مصرية، وأن والدها الشاعر والملحّن اللبناني الكبير حليم الرومي. وهو شاعر وملحّن لبناني كبير، وكان له دور مهم في الحياة الموسيقية في لبنان، كما يُنسب إليه الفضل في اكتشاف ودعم السيدة فيروز في بداياتها.
وحين عرفت، بدا كل شيء منطقياً: ذلك الحب الصادق لمصر، ذلك الشغف بالجمهور المصري، وتلك اللحظة التي أمسكت فيها علم مصر وهي تغني «يا حبيبتي يا مصر». لم تكن حركة بروتوكولية ولا مجاملة عابرة؛ كانت انتماءً شعورياً، وإقراراً بأن الهوية الفنية أوسع من الجغرافيا.

اختيارات ماجدة الرومي الغنائية ليست عشوائية، بل واعية ومسؤولة. حين تغني قصائد نزار قباني، أو غيره من كبار الشعراء، فهي لا تستدعي الكلمات لجمالها اللغوي فقط، بل لما تحمله من كرامة إنسانية، وعمق عاطفي، واحترام للعقل والذوق. هذا هو الفن الذي أؤمن به: فنٌّ يسمو بالمستمع، لا يهبط إليه؛ يفتح نوافذ الروح، لا يكتفي بإثارة الغرائز.
أنا أنحاز للفن حين يكون جسراً بين الشعوب، وحين يرقى بالوجدان العام. أنحاز لفنانة جعلت من صوتها رسالة، ومن اختياراتها موقفاً، ومن حضورها إضافة لا ضجيجاً.
في زمن تختلط فيه الأصوات، وتُختزل فيه الشهرة في العابر والسريع، تذكّرنا ماجدة الرومي بأن للفن مسؤولية، وأن الرقي ليس ترفاً، بل ضرورة.
أهلاً بكِ في مصر يا ماجدة الرومي. أهلاً بصوتٍ رائع يعرف كيف يكون وطناً، وبفنٍّ يتخطى الحدود، ويرفع – كلما صدق – ذائقة الجمهور وإنسانيته.
وشكراً لفناني مصر الذين احتفوا بها حضورا في الأوبرا ، أو تكريما في الحفل
الجميل الذي دعيت اليه في اليوم التالي.
القوة الناعمة لمصر وسوريا ولبنان والتي كانت اشراقة في وجدان المجتمع العربي في وقت ماضي والي الآن ، هي قوة لا يستهان بها ، وانضمت اليها الآن فنوناً من المغرب العربي والخليج تتعدي الخلافات السياسية وتزيل الحواجز بيننا.
مرة أخري سعدت بماجده الرومي في مصر وبالتعرف عليها عن قرب ، فازداد اعجابي وتقديري لها كإنسانة راقية شكلاً وموضوعاً.







