شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب . يحيى باشا إبراهيم . سقطت الحكومة. و رئيسها. ونجح الصندوق

زمنٍ كان الصندوق فيه أعلى من الكرسي، وكانت الورقة الانتخابية أقوى من النفوذ، والمال السياسي، في هذا الوقت وقف يحيى باشا إبراهيم أمام امتحان نادر:
أن تُدار الانتخابات وهو رئيس للوزارة،
ووزير للداخلية،
ورئيس للجنة الانتخابات…
ثم تقبل السلطة الهزيمة كاملة،
حزبًا ورئيسًا.

لم تكن الهزيمة حادثًا عابرًا، بل شهادة عصر.
شهادة تقول إن السياسة، حين تُدار بضمير، تقبل حكم الناس حتى لو جاء قاسيًا على أصحاب الحكم.

عام 1924 دخلت مصر واحدة من أنصع لحظاتها الانتخابية.
تنافست أربعة أحزاب:
حزب الاتحاد (حزب الحكومة والملك) برئاسة يحيى باشا إبراهيم،
وحزب الوفد،
والأحرار الدستوريون،
والحزب الوطني.
كانت المعركة مفتوحة،
وكان الحكم للصندوق.

النتيجة جاءت قاطعة:
حزب الوفد حصد 188 مقعدًا،
بينما لم يحصد حزب الحكومة سوى 17 مقعدًا.
لم تكن الأرقام تخص أشخاصًا،
بل عبّرت عن ميزان قوى حاسم
بين إرادة الناس وسلطة الحكم.

المفارقة الأعمق، والأكثر دلالة، أن الهزيمة لم تتوقف عند الحزب، بل طالت رئيس الحكومة نفسه.
يحيى باشا إبراهيم
سقط في دائرته الانتخابية،
في مواجهة محمد مرعي،
أفندي بسيط،
لا يحمل لقب باشا،
ولا يسنده جهاز،
ولا تحمله سلطة.

لم تُلغَ النتيجة، ولم يُعاد الاقتراع، ولم تُستدعَ الداخلية لتغيير المسار، رغم أن وزيرها هو الخاسر.
سقط رئيس الوزراء،
وسقط وزير الداخلية،
وسقط رئيس لجنة الانتخابات…
وبقيت النزاهة واقفة.

محمد مرعي، الذي هزم يحيى باشا إبراهيم في الصندوق، لم يكن اسمًا عابرًا في سجل الانتخابات.
بل صار لاحقًا صفحة ممتدة في التاريخ السياسي المصري،
بوصفه والد المهندس سيد مرعي
الذي أصبح فيما بعد رئيسًا لمجلس الشعب
في عهد الرئيس أنور السادات.
هكذا، يربط الصندوق بين أجيال،
ويصنع السياسة من الناس،
لا من الألقاب.

تلك اللحظة أعادت تعريف السلطة:
ليست من يجلس،
بل من يُنتخب.
وليست من يُمسك بالمفاتيح،
بل من يحترم القاعدة.

بعد إعلان النتائج، لم يُبحث عن مخارج ملتوية.
كلّف الملك فؤاد
الزعيم سعد باشا زغلول
بتشكيل الحكومة،
فجاءت وزارة الشعب.
اسمها لم يكن شعارًا،
بل ترجمة مباشرة لإرادة الناخبين.

في ذلك الزمن، كانت الحكومات تُولد من الصندوق، لا من المكاتب المغلقة.
وكانت الخسارة تُقبل
كما تُقبل الحقيقة،
وكان السقوط جزءًا من اللعبة الديمقراطية
لا ذريعة لإعدامها.

لم يكن يحيى باشا إبراهيم قدّيسًا، ولا كان عصره بلا صراع، لكن موقفه هذا بقي علامة لا تُمحى.
أن يُشرف ويخسر،
وأن يسقط حزبه ويسقط هو شخصيًا،
في تاريخ الحياة النيابية المصرية.

السياسة آنذاك لم تكن خالية من الخلاف، لكنها كانت مشبعة بقاعدة ذهبية:
من يخسر يسلّم،
ومن يفوز يُكلَّف.

اليوم، حين نتأمل خرائط التزوير عبر عصور لاحقة، وحين نرى كيف تحوّلت الانتخابات إلى طقس بلا روح، تعود هذه الحكاية كمرآة محرجة.

مرآة تسألنا:
كيف تحوّل الصندوق من حَكَم
إلى شاهد؟
وكيف صار النفوذ أعلى من الصوت؟
وكيف نُسيت لحظة
سقطت فيها الحكومة،
وسقط رئيسها،
وبقيت الديمقراطية واقفة؟

وجوه لا تغيب…
لأن التاريخ لا ينسى
حين انتصر الصندوق على الكرسي،
وحين قبلت السلطة الهزيمة،
فربحت المعنى.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى