مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: التسويات والعفو في سوريا: سلام هش يُبنى على أنقاض العدالة


منذ سنوات، تُقدَّم سياسات العفو والتسويات في سوريا بوصفها أدوات لإنهاء النزاع وإعادة الاستقرار. غير أن هذه السياسات، عند تفكيكها قانونيًا وأخلاقيًا، تكشف عن مسار معاكس تمامًا لما يُفترض أن يؤدي إلى سلام حقيقي. فالتسويات التي تُفرض خارج أي إطار عدالة انتقالية، ومن دون مساءلة أو اعتراف بالضحايا، لا تُنهي النزاع بقدر ما تُجمّده، وتؤسس لسلام هش قابل للانفجار عند أول اختبار اجتماعي أو سياسي.

العدالة الانتقالية ليست ترفًا سياسيًا


وفق القانون الدولي، لا تُعد العدالة الانتقالية خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل التزامًا قانونيًا على الدول الخارجة من النزاعات. فهي تقوم على أربعة أعمدة رئيسية: الحقيقة، المساءلة، جبر الضرر، وضمان عدم التكرار. إلا أن التسويات المعتمدة في سوريا تتجاوز هذه المبادئ كليًا، وتستبدلها بمنطق أمني يقوم على إسكات المطالب المجتمعية مقابل وعود غير مضمونة بالأمان.

العفو الواسع أو غير المشروط، خصوصًا عندما يشمل جرائم جسيمة كالتعذيب أو الإخفاء القسري أو القتل خارج إطار القانون، يتعارض بشكل صريح مع المعايير الدولية، التي تؤكد أن هذه الجرائم لا يجوز شمولها بأي عفو، لأنها لا تسقط بالتقادم وتمسّ جوهر الكرامة الإنسانية.

من الإفلات من العقاب إلى إعادة إنتاج العنف


إن أخطر ما تنتجه سياسات التسوية ليس فقط غياب العدالة، بل ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب. فحين يدرك الجناة أن الجرائم يمكن تجاوزها بتسوية سياسية أو أمنية، تتحول الانتهاكات إلى سلوك قابل للتكرار، لا إلى استثناء عابر. وقد أثبتت تجارب دولية عديدة أن المجتمعات التي تجاهلت المحاسبة دفعت لاحقًا ثمن ذلك في شكل عودة العنف أو انهيار السلم الاجتماعي.

في الحالة السورية، لم تؤدِّ التسويات إلى طيّ صفحة العنف، بل إلى إبقائها مفتوحة تحت السطح. إذ لا يمكن الحديث عن مصالحة في ظل غياب الحقيقة، ولا عن استقرار دائم في ظل شعور آلاف العائلات بأن حقوقها سُلبت مرتين: مرة بالانتهاك، ومرة بإنكار العدالة.

حقوق الضحايا: الحلقة الأكثر تهميشًا


تُعد حقوق الضحايا حجر الزاوية في أي عملية سلام مستدامة. غير أن سياسات العفو والتسويات في سوريا همّشت الضحايا بشكل شبه كامل، إذ لم يُمنحوا حق المشاركة، ولا حق السماع، ولا حتى الاعتراف الرمزي بما تعرضوا له. هذا الإقصاء لا يفاقم الألم الفردي فحسب، بل يُنتج ذاكرة جماعية مشحونة بالظلم، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للسلم الأهلي.

فالسلام الذي يتجاهل الضحايا لا يعالج الجراح، بل يدفعها إلى التحول إلى غضب مكتوم، قد ينفجر لاحقًا في شكل عنف مجتمعي أو نزاعات محلية أو حتى عمليات انتقام فردية، وهو ما حذرت منه تقارير أممية مرارًا.

هيئة العدالة الانتقالية: إطار شكلي بلا مضمون
رغم وجود خطاب رسمي حول العدالة الانتقالية، فإن الواقع يشير إلى أن ما يُسمى بهيئة العدالة الانتقالية في سوريا لا يؤدي أي دور حقيقي في هذا المسار. فهي تفتقر إلى الاستقلالية، ولا تمتلك صلاحيات التحقيق أو المساءلة، ولا تعمل وفق معايير الشفافية أو إشراك الضحايا. وبدل أن تكون أداة لتحقيق العدالة، تحولت عمليًا إلى غطاء شكلي يُستخدم لتبرير التسويات والعفو، لا لمساءلتها أو مراجعتها.

غياب الفاعلية هذا لا يفرغ العدالة الانتقالية من مضمونها فحسب، بل يقوض الثقة العامة بأي حديث رسمي عن المصالحة أو بناء الدولة.

المجتمع المدني السوري: البديل الممكن والضروري
في ظل هذا الفراغ، يبرز المجتمع المدني السوري كفاعل أساسي وبديل واقعي يمكن البناء عليه. فقد لعبت منظمات حقوقية سورية، داخل البلاد وخارجها، دورًا محوريًا في توثيق الانتهاكات، ودعم الضحايا، والمساهمة في مسارات المساءلة الدولية. هذا الدور، رغم التحديات والقيود، يُظهر أن العدالة ليست مستحيلة، بل معطّلة سياسيًا.

إن تفعيل دور المجتمع المدني، ودعمه قانونيًا وسياسيًا، وإشراكه في أي مسار مستقبلي للعدالة الانتقالية، يشكل خطوة أساسية نحو سلام قائم على الحقوق، لا على الصفقات. فالمجتمع المدني، بحكم قربه من الضحايا واستقلاله النسبي، قادر على إعادة الاعتبار للعدالة بوصفها شرطًا للسلم الأهلي، لا عائقًا أمامه.

سلام بلا عدالة… وصفة مؤكدة للفشل
إن التسويات التي تُبنى على تجاهل العدالة قد تُنتج هدوءًا مؤقتًا، لكنها لا تبني سلامًا. فالسلم الأهلي لا يقوم على الصمت القسري، بل على الثقة، وهذه لا تُستعاد إلا عبر الحقيقة والمساءلة والإنصاف. من هنا، فإن التصدي لسياسات العفو والتسويات في سوريا ليس موقفًا سياسيًا ضيقًا، بل ضرورة أخلاقية وقانونية لحماية المجتمع ومنع تكرار المأساة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى