
لا تمرّ العاشر من فبراير عاديًا في ذاكرة هذا الوطن.
إنه اليوم الذي غاب فيه رجلٌ لم يكن عابرًا في تاريخ مصر،
رجلٌ انتصر في الميدان،
وخسر في السياسة،
ودفع ثمن الصدق كاملًا،
ثم رحل في صمتٍ يليق بالكبار.
في 10 فبراير 2011، أسدل الستار على حياة الفريق سعد الدين الشاذلي،
رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الأسبق،
وأحد أكثر العقول العسكرية العربية لمعانًا،
وأكثرها إزعاجًا للسلطة حين اختلط النصر بالحسابات.
وُلد الشاذلي في 1 أبريل 1922،
في قرية شبراتنا بمركز بسيون في محافظة الغربية،
في بيتٍ ريفيٍّ يعرف معنى الانضباط قبل أن يعرف معنى الوجاهة.
الطريق إلى المدرسة كان طويلًا،
ستة كيلومترات يقطعها الطفل يوميًا،
كأن الجغرافيا كانت تُعدّه مبكرًا لفهم المسافة بين الحلم والواقع.
انتقلت الأسرة إلى القاهرة وهو في الحادية عشرة،
فأكمل تعليمه الإعدادي والثانوي هناك،
ودخل العسكرية لا بوصفها مهنة،
بل بوصفها مدرسة عقل،
يتعلم فيها كيف تُدار المعارك قبل أن تُطلق الرصاصات.
في مسيرته، لم يكن مجرد ضابط صاعد،
بل عقلًا تنظيميًا استثنائيًا.
أسّس وقاد أول فرقة مظلات في الجيش المصري،
ثم شقّ طريقه حتى صار رئيس أركان حرب القوات المسلحة
في الفترة من 16 مايو 1971 حتى 13 ديسمبر 1973،
وهي السنوات الأخطر في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
في أكتوبر 1973،
كان الشاذلي هو العقل المدبّر لخطة العبور،
وصاحب التصور الذي كسر أسطورة خط بارليف،
وأعاد للجيش المصري ثقته بنفسه،
وللأمة العربية قدرتها على الحلم.
لكن الحرب لا تنتهي دائمًا بانتهاء القتال.
داخل غرفة القرار،
نشب الخلاف مع الرئيس أنور السادات،
خلافٌ حول إدارة المعركة بعد العبور،
وحول ما عُرف لاحقًا بـ ثغرة الدفرسوار.
اختار الشاذلي أن يقول رأيه،
واختار النظام أن يضعه خارج الصورة.
قدّم استقالته من رئاسة الأركان،
ثم عُيّن سفيرًا لمصر في بريطانيا،
ثم في البرتغال،
وكأن الانتصار في الميدان يُكافأ بالابتعاد عن مركز القرار.
كان الشاذلي القائد الوحيد من قادة حرب أكتوبر
الذي لم يُكرَّم،
وتجاهلته احتفاليات النصر،
ليس لأنه لم ينتصر،
بل لأنه رفض أن يُعيد كتابة الرواية
بما يرضي السياسة.
في كتابه «مذكرات حرب أكتوبر»،
فتح الملفات،
وكتب ما رآه حقًا،
لا ما طُلب منه أن يراه.
الصدق هنا لم يكن فضيلة فقط،
بل تهمة.
أعلن معارضته الصريحة لاتفاقيات كامب ديفيد،
واستقال من منصبه،
وغادر مصر إلى الجزائر طالبًا اللجوء السياسي،
في مشهد نادر لقائد انتصر ثم اختار المنفى
على أن يصمت.
عاد إلى مصر عام 1993،
رغم صدور حكم عسكري ضده،
نال عفوًا شاملًا،
وعاش بعيدًا عن الأضواء،
كأن الوطن قرر أن يحتفظ بانتصاره
وينسى صانعه.
رحل الشاذلي قبل أيام قليلة من انفجار ثورة يناير،
كأن القدر لم يُرد له أن يرى المشهد الذي كان ينتظره،
مشهد شعبٍ يستعيد صوته،
بعد سنوات من تغييب الحقيقة.
وجوه لا تغيب…
لأن بعض القادة لا تُقاس قيمتهم بالأوسمة،
بل بما قالوه حين كان الصمت أسهل.
ولأن النصر الحقيقي
هو أن تنتصر في الحرب
ولا تخسر نفسك بعدها.








